الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441

عين لا ترى

السبت 26/أكتوبر/2019 - 07:48 م
جريدة الدستور
هويدا أبوسمك
طباعة


عقدت ناهد حاجبيها وهى تنظر للصف الطويل أمامها، تنهدت بصوت مسموع، وحملت طفلتها على ذراعها، ودعت الله سرًا أن يأتى دورها سريعًا.
عيناها انتقلتا بين كل الأدوية التى على الأرفف، أخبرها الطبيب بأن الدواء الفعال لابنتها ستجده هنا، يومها بدأ سيئًا، فأصيبت ابنتها بنزلة معوية شديدة، ومعها اضطرت للاعتذار عن عدم الذهاب للعمل.
ظروف حياتها كأرملة وأم لطفلة لم تكن تتحمل المزيد من الخصومات، نصحتها والدتها كثيرًا بالزواج مرة أخرى، ولكنها أبت أن تأتى لابنتها بزوج أم لا تعرف مذاقه.
ربتت على ظهر ابنتها ذات السنوات الأربع عندما تململت للوقوف، وتمنت أن تنام قليلًا، وركزت بصرها على الصف حولها، فكان يتحرك بطيئًا.
رجل مُسن تركت السنوات أثرها على أخاديد وجهه كان يستند على عصا ويقف قبلها، فأشفقت عليه ولاحظت ارتعاشة يده، وفكرت فى الصراخ على العاملين بالصيدلية وتفريغ همها فى شجار معهم، ولكن آلام رأسها منعتها من ذلك.
فتاة شابة تعمل فى الجانب التجميلى للصيدلية لافت انتباهها، تضع قبعة على رأسها، بينما مكياجها لافت للنظر، قدمت عرضًا طويلًا لامرأة تماثلها أناقة عن المنتجات الحديثة للبشرة والشعر، والمكونة من المواد الطبيعية الخالية من الكيماويات.
لم تعجبها الفتاة، واحدة متكلفة، مرفهة، شأنها فى ذلك شأن العديدات، تجد الوقت فى الصباح لوضع كل هذا الزحام على وجهها، ولم لا تفعل، فلا تجد لها همًا، والابتسامة تجد طريقها إليها دون تفكير أو تردد، ولا تفكر فى مصاعب الحياة وكيف تجمع المال لشراء الطعام وحذاء جديد.
أخرجت ناهد قدمها من حذائها البالى تطلب الراحة بعد أن وخزتها أصابعها، ونظرت مرة أخرى للصبية الباربى، كما سمتها سرًا، فتاة مثلها حتمًا لها أب غنى يعطيها مالًا لشراء ملابس مثل تلك، ولا تعانى من الفقر.
نقلت ابنتها إلى كتفها الأخرى بعدما شعرت بالتعب، ومع ضيق الصغيرة اضطرت لتضعها أرضًا، ولم يمنع التعب الطفلة من الحركة، حتى وقفت أمام «صبية الباربى» مبتسمة.
اعتذرت ناهد، ولكن الفتاة اقتربت من ابنتها وحملتها بحب، وعندها لم تجد ناهد حلًا سوى قضاء الوقت فى سؤالها عن المنتجات المعروضة للشعر والبشرة.
وبدأت الفتاة فى الشرح المفصل، والاسترسال، حتى إنها نصحت ناهد بمنتج يصلح لطفلتها ولها أيضًا، فحاولت ناهد أن تحرجها وسألتها: «وهل جربتيه بنفسك»، فابتسمت الفتاة بحزن ومرارة وردت: «حرمنى السرطان من شعرى ولم أستطع تجربته».