الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأول 1441

الباز يكتب: وزير الخارجية الكويتى.. نهضة مصر قوة للعرب جميعًا

الثلاثاء 22/أكتوبر/2019 - 08:34 م
د. محمد الباز يصافح
د. محمد الباز يصافح وزير الخارجية الكويتى
طباعة
بهدوء شديد يليق بدبلوماسى متمكن، تحدث معنا وزير الخارجية الكويتى، الشيخ صباح خالد الحمد الصباح.
كان الشيخ صباح، الذى يشغل أيضًا منصب النائب الثانى لرئيس الوزراء فى الكويت، قد انتهى تقريبًا من اللقاءات والمقابلات التى شارك فيها إلى جوار رئيس الوزراء، الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح، مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعدد من المسئولين المصريين، وكان مهمًا أن يتحدث المسئول العربى الكبير عن كواليس وأسرار ليس ما جرى فى الزيارة فقط، ولكن عن المساحات المشتركة بين مصر والكويت، والخطوط المتقاطعة فى موقفى البلدين من القضايا الإقليمية التى نتفاعل معها جميعًا، وتشكل نوعًا من التحديات المصيرية.
استقبلنا الشيخ صباح مجموعة من الكتّاب ورؤساء التحرير الزملاء خالد ميرى، رئيس تحرير جريدة الأخبار، والزميل خالد السكران، رئيس تحرير جريدة المساء، والزميل محمود مسلم، رئيس تحرير جريدة الوطن، والزميل يوسف أيوب، رئيس تحرير صوت الأمة.. وأنا.
بادرنا هو بالكلام يسألنا عما لدينا، مبديًا استعداده للإجابة عن كل الأسئلة، قائلًا: أنا معكم ومستعد لكل ما يجول بخاطركم. لكننا طلبنا أن نستمع منه أولًا لما جرى فى جلسات الحديث المغلقة التى جمعت بين الوفد الكويتى والمسئولين المصريين، وعلى رأسهم الرئيس عبدالفتاح السيسى.
تحدث الشيخ صباح بتلقائية شديدة وعفوية أشعرتنا بأنه يتحدث إلى مجموعة من الأصدقاء، وهو ما بدا فى الأريحية والثقة التى عرض بها ما لديه.
فالزيارة المهمة التى قام بها رئيس الوزراء الكويتى تأتى استكمالًا للزيارة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دولة الكويت نهاية أغسطس الماضى، وهى الزيارة التى تم فيها التوقيع على ٩ اتفاقيات، وهنا فى القاهرة تم أيضًا التوقيع على ٣ اتفاقيات، ليصل إجمالى ما تم التوقيع عليه إلى ٩٥ اتفاقية، ومن بين الاتفاقيات الثلاث الأخيرة اثنتان يتم بموجبهما ضخ مليار دولار فى المرحلة الثانية من مشروع تنمية سيناء، والثالثة خاصة بتعزيز التعاون الاقتصادى بين البلدين فى مختلف المجالات.
توقف وزير الخارجية الكويتى بإعجاب شديد عند التطور الملحوظ الذى تشهده مصر، فقال: مصر الآن غيرها منذ خمس سنوات، وصحيح أننا نشهد على هذا التطور من واقع ما رأينا، فقد اطّلعنا على الأمور منذ سنوات، وها نحن الآن نشهد الطفرة الكبيرة التى تشهدها مصر فى مختلف المجالات، لكن فى النهاية شهادتنا ليست وحدها التى تؤكد ذلك، ولكنها شهادات المؤسسات الدولية التى تصدر تقاريرها الدورية عن التطور الملحوظ فى مصر، وهى مؤسسات لا يمكن أن تجامل أو تمنح أحدًا ثقتها دون أن يكون مستحقًا تمامًا لذلك.. وكل هذا يعنى فى النهاية أن مصر استطاعت أن تثبّت أقدامها بعد ما تعرضت له من أنواء حاولت اقتلاعها من جذورها وهزّ استقرارها، لكن التجربة أثبتت أن مصر عصيّة على من يريدون بها شرًا.
كشف وزير الخارجية لنا أوراق الزيارة كاملة، بدأ بالإشارة إلى أن الزيارة التى قام بها الوفد الكويتى رفيع المستوى إلى مصر جاءت فى معظمها للشأن الاقتصادى والاستثمارى، لكن تم أيضًا استعراض رؤية البلدين فى القضايا الإقليمية.
بنبرة أسى، لاحظها الجميع، أشار الشيخ صباح خالد إلى أن المنطقة العربية تمر بفترة مخاض عسير استمرت عشر سنوات، وكان طبيعيًا أن تتأثر كل دول المنطقة بهذه الحالة، وكان طبيعيًا أيضًا أن تترك هذه الفترة جروحًا فى الجسد العربى، وهى جروح يمكن أن نشهدها بسهولة فى اليمن وسوريا وليبيا، وتوقف مسيرة السلام.
أخذنا من هذه الحالة الشعورية المتدفقة التى تحدث بها وزير خارجية الكويت طريقًا لبداية حوار معه، كان خلاله واضحًا وصريحًا، ولأنه دبلوماسى من طراز رفيع، فقد كان يزن كل كلمة يقولها بميزان الذهب، فهو يعبّر عن مواقف دولة مركزية ومهمة وصاحبة دور محورى فى العديد من قضايا المنطقة.
تجاوب وزير الخارجية الكويتى معى عندما قلت له إن دبلوماسية الكويت خلال السنوات الماضية يمكن التعامل معها على أنها دبلوماسية التوافق، فهى تسعى بكل ما لديها من جهد إلى التقريب بين الفرقاء، فى محاولة منها لإنهاء أزمات إقليمية عديدة يراها كثيرون عصيّة على الحل، ولا مخرج منها ولا لها.
سألته عن مساحات التوافق بين مواقف مصر والكويت فى القضايا الإقليمية؟
فقال: ما لمسناه مع مصر، ومن خلال كلام الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن مصر مع أى عمل عربى يجمع ولا يُفرّق، يزيل الخلافات القائمة ولا يُعقّدها، فلدى مصر قناعة واضحة من خطابها الرسمى بأن الخلافات فى المنطقة بطبيعة الحال تضر كثيرًا بمصالح الجميع، وهو ما نقره نحن أيضًا فى الكويت.
هذه القناعة المشتركة تجعلنا نمسك بحبل موصول يحتم أن يتم استكمال كل المساعى لمواجهة كل الخلافات التى تفجرت خلال السنوات الماضية، ومحاولة جمع كل الجهود للعمل على جمع كل الأطراف المتناقضة، ومناقشة كل النقاط الخلافية بينها بقلب مفتوح وعقل يتقبل الحل.
يدرك وزير الخارجية الكويتى مكامن الخطر التى تواجه المنطقة جيدًا، وهو ما دعاه للقول بأن الحلول التى نسعى لها لمواجهة خلافاتنا يجب أن تطمئن الجميع، لأن الأوضاع فى منطقتنا تنحدر إلى مستوى خطير، ولا يستطيع أحد أن ينكر مثلًا أن التصعيد الذى يجرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أسهم فى تأزيم الأوضاع فى المنطقة، وهو ما يحتم علينا أن نبحث عن حلول لتهدئة هذا التصعيد، وقد بدا فيما جرى من مباحثات بين مصر والكويت، سواء فى الزيارة الأولى أو الثانية، أن هناك اتفاقًا فى الرؤية من أجل حماية المنطقة مما يُراد بها ويُخطط لها.
عدتُ مرة أخرى لأساله عن التصريحات التى يدلى بها المسئولون الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، ومستشاره السياسى ياسين أقطاى، وهى التصريحات التى تنال من قيمة العرب وأهمية ما تقوم به الجامعة العربية فى مواجهة الاحتلال التركى لسوريا؟
أخذنا الشيخ صباح إلى منطقة مختلفة مغلّفة بمنطق دبلوماسى، قال: لا يهمنا ما يقال عنا، اهتمامنا الأساسى ينصرف إلى الموقف العربى، لقد دعت مصر إلى اجتماع لوزراء الخارجية العرب، وحضره بالفعل عدد كبير، وهو ما يعكس اهتمامنا بما يحدث، وقد خرجنا بقرار يحافظ على وحدة وسلامة سوريا وإدانة الاجتياح التركى للأراضى السورية، وقد حافظنا بما فعلناه على دورنا العربى، وهو ما يشغلنا فى الحقيقة بصرف النظر عن رأى الآخرين فيما نفعل.
اعترف وزير الخارجية الكويتى بأن هناك خلافات للبعض مع سوريا، لكن هذه الخلافات حتمًا ستنتهى وتزول تمامًا، قال: لا بد أن ننظر إلى الوضع على الأرض بشكل صحيح، فاجتياح دولة لدولة أخرى أمر خطير لا يمكن أن يقره أحد، بل على العكس نحن ندينه تمامًا.
يعترف وزير الخارجية الكويتى أيضًا بأن علاقات بلاده بتركيا علاقات مميزة، لكن فى الوقت نفسه لا يمكن أن تقبل الكويت بما تفعله تركيا فى سوريا، التى وصف الوضع فيها بأنه معقد للغاية، وذلك بسبب الغياب العربى الذى لن يطول، فعودة سوريا إلى الحضن العربى أصبحت أمرًا ضروريًا، وهذا ما يسعى له الجميع حتى تتمكن من استكمال العملية السياسية.
كان الشيخ صباح خالد قد كشف لنا عن أن الرئيس عبدالفتاح السيسى عرض أمام رئيس الوزراء الكويتى آخر تطورات أزمة سد النهضة، فكان مناسبًا أن نسأله عن دور الكويت فى هذه الأزمة، وهل من الممكن لها أن تتدخل بما لها من ثقل دولى، خاصة أن مصر تسعى إلى وضع المجتمع الدولى طرفًا فى الأزمة؟
دخل وزير الخارجية الكويتى إلى هذه القضية من زاوية واسعة جدًا، قال: موضوع المياه حيوى للغاية، نحن فى الكويت، ولأننا بلد فقير مائيًا، نقدّر ذلك تمامًا، فنحن فى الصيف مثلًا نحرق ٣٠ ألف برميل نفط يوميًا لتشغيل محطات تحلية المياه، وهو ما يجعلنا نسهم فى أى مشروعات من أجل توفير المياه فى دول مختلفة، ونؤمن أيضًا بأن أى دول تشترك فى مصادر المياه، لا بد أن تحترم الاتفاقيات الدولية التى تنظم وتحترم وصول المياه إليها.
وجّه وزير الخارجية الكويتى كلامه مبدئيًا إلى الإخوة فى إثيويبا، فقال: نحن نناشد إخواننا وأصدقاءنا فى إثيوبيا ضرورة الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وبإطار المبادئ الذى وقّعته مع مصر والسودان فى مارس ٢٠١٥، وهى الاتفاقيات التى تنص على ألا تتأثر دول الحوض بأى مشروعات تقام على النيل.
ثم وجّه الشيخ صباح كلامه بعد ذلك إلى رئيس الوزراء الإثيوبى أبى أحمد، قائلًا له: لقد حققتَ إنجازًا كبيرًا بمد يد السلام إلى إريتريا، وشاركت فى استقرار الأمور فى السودان، وهو ما أسهم فى حصولك على جائزة نوبل للسلام، وأعتقد أن دورك يكتمل بإنفاذ الاتفاقيات التى تمنح دول الحوض حقوقها من المياه دون الإضرار بها.
أكد وزير الخارجية الكويتى أن التواصل مستمر، والعمل من أجل حل هذه الأزمة دائم، ووضع أملًا كبيرًا على اللقاء المرتقب بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى أبى أحمد، الذى سيعقد على هامش القمة الإفريقية الروسية، التى تعقد فى مدينة سوتشى، حيث يتوقع أن يكون لهذا الاجتماع دور كبير فى الدفع بالأزمة إلى طريق الحل المُرضى لجميع الأطراف.
انتقلنا مع وزير الخارجية الكويتى إلى نقطة مهمة جدًا، وهى التنسيق بين مصر والكويت أمنيًا، وذلك على خلفية الخلية الإخوانية التى تم القبض عليها فى الكويت وتم ترحيل عدد من أعضائها بالفعل إلى القاهرة، وكان الانتقال مهمًا جدًا، لأنه عكس جانبًا مهمًا من جوانب التعاون بين البلدين فى مساحة الأمن القومى، وهنا جاء الحديث متدفقًا من جديد.
يقول وزير الخارجية الكويتى: التنسيق الأمنى مع مصر يحدث طوال الوقت، كان موجودًا قبل هذه الخلية، وأيضًا بعدها، والتعاون يتحرك فى مساحات التدريب وتبادل المعلومات والخبرات بين البلدين، وهذا يأتى انطلاقًا من أننا فى الكويت نؤيد كل الإجراءات التى تأخذها مصر لحماية أمنها ومواطنيها ومنشآتها، ونقف معها فى خندق واحد ضد كل المخاطر التى تهددها والمؤامرات التى تحاك ضدها، وهى كثيرة بالفعل، خاصة أن مصر تحقق نجاحات كثيرة فى مجالى الأمن والاقتصاد، ويبدو أن هذا لا يعجب الكثيرين.
وصلنا إلى ختام الحوار، وكان لا بد من التطرق إلى نظرة وزير الخارجية الكويتى لما يحدث فى مصر بشكل عام، وهنا بدا الأمل فى صوته.
يقول الشيخ صباح خالد الحمد الصباح: عندما ننظر إلى مصر الآن نجد أنها خطت خطوات واسعة استطاعت من خلالها أن تعبر صعابًا كثيرة وتحطم عقبات وضعها الآخرون فى طريقها، وهذا بفضل قيادتها وشعبها الذى تحمل الكثير حتى يحافظ على بلده، وهو فضل كبير لهذا الشعب لا يمكن لأحد أن ينكره عليه، ولا يعرف قيمة ما وصلت إليه مصر إلا من يعرف أين كانت منذ سنوات.
وزير الخارجية الكويتى يتحدث هنا عن القفزة الاقتصادية التى حققتها مصر، لكنه لم ينسَ الأدوار السياسية التى تلعبها مصر أيضًا، يقول: كل المؤشرات فى المنطقة للأسف الشديد تتجه بنا إلى المساحة السلبية، لكن هناك دائمًا بارقة أمل، وهذه البارقة عنوانها مصر، فقد استضافت القمة العربية الأوروبية، وكانت حاضرة فى قمة العشرين، وقمة الدول الصناعية الكبرى، ثم إنها كانت من نادت لعقد اجتماع للجامعة العربية على وجه السرعة للتصدى للاجتياح التركى للأراضى السورية، وهو دور تعبّر به مصر عن مكانها ومكانتها.
هل تريدون المزيد؟
ختم وزير الخارجية الكويتى كلامه معنا بقوله: مصر العفيّة تستطيع أن تحسم كثيرًا من الملفات لصالح المنطقة العربية، نحن نريد أن تكون مصر قوية، لأن نهوض مصر قوة لنا جميعًا.
ads