الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

بعد اختفاء المزين والداية.. هل مات الفلكلور فى صعيد مصر؟

السبت 19/أكتوبر/2019 - 01:03 م
جريدة الدستور
يسرى أبوالقاسم
طباعة
تختلف الثقافات باختلاف الأمكنة والأزمنة، واختلاف الثقافات لا يعنى فضل ثقافة على أخرى، فكل شخص هو وليد بيئته يتأثر بها ويؤثر فيها. ومع مرور الأيام ترسخ أفكار وعادات وتقاليد، تتأصل وتتجزر داخل المجتمع، حتى تصبح جزءا من ثقافته، ولأن الزمن له أفاعيله وقدرته العجيبة على التخطى يمكنه أن يجعل من هذه العادات تراثا أو فلكلورا، يتغنى به الناس. وفى هذا التحقيق نتناول بعض المهن التى اندثرتو أضحت تراثا فى صعيد مصر، ثم نسأل بعض المتخصصين فى دراسة الموروث الشعبى عن أسباب اندثار هذه المهن، وأثر ذلك على المجتمع وهل يمكن اعادتها مرة أخرى ؟.

فى البداية نستعرض بعض المهن التى راجت بصعيد مصرثم إندثرت بشئ من التفصيل

"المنادى"
" يا أهالى البلد الكرام، عنزة الخياّط محمد أبو اسماعين، ضاعت ليها يومين، وهى عنزه زرباوى سودا غطيس، وفيها غُره بيضا بين قرونها، ووراها جديين خُضر، وسَخله سودا، واللى يلقاهم ياخد الحلاوة وليه الأجر والثواب."

هكذا كانت كلمات المنادى المصاحبة لطبلتة الصغيرة تطرق أذنيك، وأنت جالس فى بيتك، فتسترق السمع إليها، لتتعرف على الشيء المفقود فى القرية.

والحقيقة أن شخصية المنادى، كانت تفرض نفسها بقوة فى الصعيد الجوانى، فلكل قرية "منادى" تراه يتجول فى دروبها، حاملًا طبلة صغيرة مصنوعة من الفُخار وجلد الأرنب، يسير ببطء فيتبعه أطفال الشارع، وكأنهم يبحثون معه عن ضالته. ولكن مع تطور الأيام استعاض أهل القرية عن المنادى بميكرفون المسجد، فلم يعد له أثرا، وكأنه إختفى مع " عنزة محمد أبو اسماعين ".

"المِزَين"
كان للمِزَين دورًا محوريًا فى القرية، فما من بيت إلا وطأته قدماه، المزين هو حلاق القرية الذى تمرد على مهنته الرئيسية وهى قص الشعر، إلى مهن أخرى، تتطلب الدراسة فى كلية الطب، ولنتخيل يومًا من أيام المِزَين.

فى الصباح يخرج المزين من بيته، مولِيًا قبلته نحو بيت فلان، ليختن ولده، فيستقبله أهل الدار بفرحة وسعادة، ما عدا الطفل الذى سيرضخ تحت الموس بعد قليل، فيقوم المِزَين بتهدأته، ويُقعده على ماجور من الفخار، ويُشَمر عنه جلبابه الأبيض الجديد، ثم يغمز بعينه لأهل الطفل، فيلتفوا حوله ويحكمون الامساك به، وكأنه لص ضبط متلبسًا بجريمته، حتى لا يتحرك فيصاب بجرح قد يفقده ذكورته طيلة حياته، ثم يقوم المزّين بوضع المرود الحديد ليقيس به، ثم يختنه بموس مختلف عن موس الحلاقة" دون مخدر"، وبهذا يكون المزيّن أدّى مهمته على أكمل وجه، فتنطلق الزغاريد وتشدو نسوة الدار بأغنية الطهور. طاهره يامزين
وعلى مهلك هبابه
طاهره يامزين
ده ناسه غلابه

ويبدو من سياق الأغنية أنها تخص الفقراء، إلا أنها كانت تُغنى فى بيوت الأغنياء والفقراء على حد سواء، فتؤخذ كلمة الغلابة على محمل الفقر، فى بيوت الفقراء، وتؤخذ على محمل الطيبة فى بيوت الأغنياء.
بعد اجراء عملية " الطهور "، يجلس المزّين بالقرب من الطفل المختون، وينادى عبر مكبر الصوت: "خلف الله عليكم يا محبين، طهور فلان ولد فلان، ونجاملوكم فى المسرّات"، والهدف من هذا النداء هو جمع " النقوط" وبهذا يتحول المزّين من مهنة الطب إلى مهنة " نبطشى الأفراح " فيتقدم ذوى القربى " بالنقوط " الذى يكون جزء منه لأهل الطفل المختون، والجزء الثانى " للنبطشى " المزين.

فى الظهيرة يرجع المزين إلى بيته ليستريح، وبعد القيلولة يخرج "بِعدّة" الحلاقة ثم يجلس على قالب طوب أو حجر أمام بيته، أو أمام المسجد، فتنحنى الرؤوس أمامه لقص الشعر، نظير نقود زهيدة، أو ما يعادلها من بيض، أو حِفنة من قمح أو ذُرة أو شعير.

أما كُبراء القرية فكان المزّين يذهب إليهم فى بيوتهم، وحين يفرغ من عمله يدخل بيته ليستريح ويتناول وجبة العشاء.

فى المساء، يخرج المزين، حاملًا حقيبة صغيرة من القماش بها بعض المحاقن الزجاجية، ليعود إلى مهنة الطب مرة أخرى، فيحقن المرضى من أهل القرية، بعد تعقيم هذه المحاقن فى الماء المغلى، هذا قبل ظهور المحاقن البلاستيك، التى ظهرت بعد اندثار مهنة المزين. كما يطهر الجروح بعد العمليات الجراحية، بل كان المزين يجرى بنفسه عمليات جراحية، مثل فتح الدمامل وتطهيرها.

واستمر هذا الدور المحورى للمزين فى قرى الصعيد الجوانى فى قنا وسوهاج، حتى سبعينات القرن الماضى، ثم تضاءل فى الثمانينات، حتى اندثر فى التسعينات، فلم يعد له دورًا محوريًا ولا ثانويًا فى مسلسل القرية.

"السقا"
فى كل قرية كانت توجد عائلة من عائلات الصعيد الجوانى تسمى " السقاقوة " تنحصر مهمتها فى حمل الماء من نهر النيل إلى البيوت، مقابل " الخينة " وتعنى الحبوب سواء كانت قمحًا أو شعيرًا أو ذرة،

وقبل أربعة قرون ظهرت الطُلمبات، فدخلت كل البيوت، فلم يعد للسقا دور، ولم تطأ قدمه بيوتات القرية ،التى كان يدخلها صباحًا ومساءً ،حيث كان أخلها ينتظرونه بفارغ الصبر. فأضحت قربته المصنوعة من جلد الماعز تراثًا، فعلّقها على جدار فى بيته، لتذكره بأيامه الخوالى. لينظر إليها تارة وإلى ابنه تارة أخرى، ولسان حاله يقول لابنه: أبوك السقا مات.

"المسحراتى"
من الغريب أن تندثر مهنة المسحراتى فى الصعيد وبالخصوص فى قنا، التى تعتبر منبعًا للفلكلور، رغم بقائها فى أماكن عدَة.

وكان للمسحراتى فى الصعيد طريقة تختلف عن غيره فى الأماكن الأخرى، ينشد فى حب رسول الله صلى الله عليه ويسلم، وهو يدق على طبلته الكبيرة ،وقت السَحر، ولا ينادى على أهل الشارع، فيهبوه بعض النقود كما يحدث فى القاهرة أو غيرها.

أما أجرته فكان يتحصل عليها صبيحة يوم العيد، حيث يمر على البيوت فيجمع النقود وبعض الهبات من " خبيز العيد " مثل الفايش الذى يلقبه أهل الصعيد الجوانى بالشُريك والمنقوش والبسكويت بالاضافة إلى أرغفة " العيش الشمسى" ومنذ خمس سنوات تقريبًا لم يعد للمسحراتى وجود بالصعيد الجوانى، إلا فيما ندر.

"خفير الدرك"
منذ أربعين سنة، كانت شوارع القرى فى الصعيد الجوانى، معتمة بلا كهرباء ،تُلقب عند العامة بأسماء العائلات التى تسكنها، بينما تلقب فى بيت العمدة وقسم الشرطة بالدَرَك، فيقولون: شارع عائلة كذا هو درك الخفير الفلانى، لذا حين يجن الليل، يظهر الخفير بزيه الشهير، حاملًا سلاحه، يتمشى فى الشارع من أوله حتى آخره، وإذا لمح خيال قطه يهرع إليه. ويقول بصوت أجش: " مين هناك "
ومع تطور الأيام وظهور الكهرباء فى الصعيد، لم يعد الشارع دركًا، لذا انتهت مهنة خفير الدرك، ولم تبق من حكايته إلا عبارة " هاه مين هناك "

"المِجَبر"
كان إذا أصيب شخص فى الصعيد الجوانى بكسر، يهرع به أقاربه إلى المِجبّر الذى يعيد عظامه إلى وضعها الطبيعى، بأدوات بسيطة مثل البيض والعجين وقطعة جريد.

وبرغم صعوبة كسور العظام، وأعادتها إلى سيرتها الأولى بدون مخدر، إلا أن المجبر كان هو المفضّل عن الطبيب بالنسبة لأهل الصعيد الجوانى، لما لديه من خبرة متعارف عليها من قبل، لذا كانوا يتعاملون معه من منطلق " المجبر اللى تعرفه أحسن من الدكتور اللى متعرفهوش ".
ومع كثرة وجود أطباء العظام فى الصعيد، اختفى المجبر وانتهى دوره

"الحاوى"
على عهد الإمام أحمد الرفاعى وبركة سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم اخرج وعليك أمان الله اخرج وليفتك معاى بهذه الكلمات كان الحاوى ينادى على الثعبان المختبى داخل ركن من أركان المكان فيصدرصفيرا ثم يخرج مستسلما نحو الحاوى فيحمله ويقوم بوضعه حول رقبة أحد أفراد البيت حتى يحويه ومعنى يحويه أى يحصنه من لدغ الثعابين. ومن النادر أن تجد حاوى صادق فأغلب الحواه يخبئون ثعابينهم المدربه داخل جلابيبهم ويستغلون توجس أهل الدار فيخرجونها بطريقة لا يلتفت إليها أحد ويتقاضون المال نظير ذلك.

"الداية"
آخر المهن التى اندثرت فى الصعيد الجوانى، هى مهنة الداية التى كانت تحل محل الطبيب، لاعتبارات عدة تختلف باختلاف الأفكار، أو الحالة الأقتصادية، حيث كان البعض يفضل الداية على الطبيب لكونها امرأة، ولا غضاضة فى أن تنكشف علي عورات النساء، والبعض الأخر كان يفضلها لأجرتها الهزيلة مقارنة بالطبيب، وهناك صنف آخر كان يلجأ إلى الداية مضطرًا، لعدم وجود طبيب بالقرية..............

بعد أن استعرضنا بعض المهن التى اندثرت، نكمل التحقيق برأى بعض المتخصصين فى التراث الشعبى حول أسباب الاندثار وأثر ذلك على الفلكلور فى صعيد مصر، فيقول د صلاح الراوى استاذ التراث بأكاديمية الفنون:
" الفلكلور لا ينضب ولا ينتهى "
التطور العام لابد وأن يحدث فى شتى المجالات ومنها التراث الشعبى، فنحن كعلماء للفلكلور لا نؤمن بثبات الظاهرة فالظاهرة قابله للحراك، رغم أن البعض يعتقودن أنه لم يعد هناك فلكلور، وكان الفلكلور له صيغة واحدة وثابتة، فلو عدنا لخمسمائة سنة وسألنا أهل هذا الزمن سيقولون أن العادات تغيرت واندثرت. مما يعنى أنهم ظنوا بأن الفلكلور انتهى كما يظن البعض الآن.

.. لذا أؤكد أن الفلكلور لا ينضب بسبب تطور الزمن. لأن الفلكلور هو الثقافة الشعبية، وهو ينقسم إلى جزئين الأول منه هو التراث القديم، الذى لم يعد له وظيفة، أما الثانى فهو المأثور الذى يتطور ويتماشى مع الزمن ويستجيب له فيصبح مأثورا حيًا.. فالثقافة الشعبية لا تموت مادامت هناك جماعة بشرية.

ويضيف الراوى: قد ينتهى شكل المنادى التقليدى على سبيل المثال فلم يعد هناك عم عبد الله الذى كان يمر بشارعنا وقت الصبا فى أسوان يطرق بعصاه على صفيحة ونلتف من حوله ولكن هناك وسائل جديده مثل الراديو او التلفاز حلت محله، إذا المهنة لم تنته ولكنها اتخذت شكلا جديدا يتماشى مع الزمن. وهذا ليس فى التراث الشعبى فقط بل فى التراث الرسمى على سبيل المثال كانت قصيدة المعلقات والان قصيدة النثر. فالتطور امر حتمى. لان الثبات يعنى الموت.
.. كما تقول د أميمة جادو الاكاديمية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية.
" كل عصر ينتج فلكلورة الخاص به طبقا لمعطياته
"
بطبيعة الحال الجديد يحل محل القديم إن لم يستطع القديم أن يفى بالغرض.، فالحياة لا بد وأن تستمر وكل عصر ينتج فلكلوره وتراثه الشعبى طبقا لمعطياته وحداثته، وإذا نظرنا إلى المهن الشعبية التى اندثرت سيظهر لنا عدم مواكبتها فى شكلها التقليدى لمآلات التطور، رغم أنها كانت تتسق مع الزمن الذى نشأت فيه، لذا استعاض الناس عنها بطريقة مختلفة، وقد يرفضون صاحب المهنة بالكلية، فعلى سبيل المثال لن يقبل المجتمع بالعلاج على يد المزين كما كان يقبل فى السابق، وتضيف أميمة. الفلكلور لا يموت ولكنه يتجدد ويتطور فى أشكال متعددة.
.. أما الباحث خطاب معوض فيقول:
" الحداثة أجهزت على الفلكلور فى مصر "
من أسوا النتائج المترتبة على الحداثة اندثار بعض المهن، التى كانت تعد عنصرا جماليا داخل المجتمع المصرى، لذا نقول بدون مواربه إن التطور العلمى أجهز على الفلكلور فى مصر فأخذ معه الروح الحلوة التى يتميز بها المصريين، فلم يعد للمسحراتى الذى دق على طبلته فى الشوارع والحوارى أثرا وكذلك المنادى الذى ان رأيته اليوم ستشعر بأنك داخل عمل درامى، وغيرهما من اصحاب المهن التى عفا عليها الزمن، مما نتج عنه اثارا سلبيه وانعزالية لم يعتدها المصريون من قبل.
ويضيف معوض. للأسف الشديد اندثار الشكل التقليدى لبعض المهن كان له اثرا سلبيا على الموروث الثقافى فى مصر. كما اننى أظن أن عودة مستحيلة.


ads