الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

مصطفى عبدالرازق.. المنادى بالحرية الفكرية

الجمعة 18/أكتوبر/2019 - 07:30 م
طباعة


عاش مصطفى عبدالرازق فى فرنسا ثلاث سنوات كان لها أثر كبير على حياته وأفكاره. فى فرنسا درس مصطفى عبدالرازق فى «السوربون» بباريس اللغة الفرنسية والفلسفة وعلم النفس والآداب وتاريخها، وانتظم فى حضور محاضرات عالم علم النفس الكبير «إميل دوركهايم» Emile Durkheim. وفى سنة ١٩١١ سافر إلى مدينة «ليون» وعمل هناك مع الأستاذ «إدوار لامبير» فى دراسة «أصول الشريعة الإسلامية»، وانتظم فى حضور محاضرات الأستاذ «جوبلو» عن تاريخ الفلسفة ومحاضرات عن الأدب الفرنسى، وتم تعيينه مدرسًا للغة العربية فى جامعة «ليون» عِوضًا عن العلّامة «جاستون ڤييت» Gaston Wiet الذى كان قد سافر إلى مصر للتدريس فى الجامعة المصرية.
فى تلك الفترة قام مصطفى عبدالرازق بإعداد رسالة الدكتوراه فى موضوع «الإمام الشافعى أكبر مشرعى الإسلام»، وترجم مع «برنار ميشيل» ترجمة دقيقة لكتاب «رسالة التوحيد» للإمام محمد عبده.
عاد مصطفى عبدالرازق إلى مصر فى يوليو ١٩١٢ قبل أن ينتهى من دراسته، لكنه عاد إلى فرنسا مرة أخرى فى أكتوبر ١٩١٢ ومعه شقيقه «على عبدالرازق»، لكن الذى حدث أن شقيقه «على» تركه وسافر إلى لندن، حيث إن والدهما كان يتمنى أن يكمل تعليمه فى لندن. فى فبراير ١٩١٤ مرض مصطفى عبدالرازق بمرض السل، توجه شقيقه «على» إلى فرنسا لزيارة شقيقه المريض. استغل مصطفى عبدالرازق فترة مرضه هذه فى كتابة مذكراته عن حياته فى فرنسا، وكتب مقالات «صفحات من سفر الحياة» التى كانت مُقتبسة من حياته والحوادث التى مرت به، لكن بينما ما زال فى المستشفى قامت الحرب العالمية الأولى فى يوليو ١٩١٤ وتدهورت الأحوال فى أوروبا، وخشى المصريون فى مصر على أولادهم وإخوتهم الذين يدرسون فى أوروبا، فنصحوهم بالعودة إلى مصر قبل أن تتوقف وسائل المواصلات بسبب الحرب، فعاد مصطفى عبدالرازق إلى مصر فى أواخر ١٩١٤.
فى آخر سنة ١٩١٤ أعلنت بريطانيا الحماية على مصر وعزلت الخديو عباس الثانى، وعينت بدلًا منه الأمير حسن كامل، ابن الخديو إسماعيل سلطانًا على مصر، وغضب المصريون، لكن الحاكم الإنجليزى العسكرى لم يعطِ لهم فرصة حتى يعبروا عن مشاعرهم، لا بالكلام ولا بالكتابة. فى ذلك الوقت كان حزب الأمة يصدر صحيفة يومية هى «الجريدة» لكن توقفت، وحاول مصطفى عبدالرازق وأصدقاؤه إعادة إصدار الصحيفة لكن بلا جدوى فأصدروا فى ٢١ مايو ١٩١٥ مجلة تحمل اسم «السفور» فكانت مجالًا للتعبير فيها عن أفكارهم وأحاسيسهم، واستطاعت مقالاتهم أن تقوم بثورة فكرية فى مصر، لكن اسم المجلة أثار صدمة عند جماعة من دعاة الإصلاح الدينى الذين اعتقدوا أن المجلة تنادى بالكفر، وأشاعوا أن وراءها جماعة من المبشرين المسيحيين! على الرغم من أن معظم كُتاب مجلة «السفور» كانوا كُتابًا مستنيرين وثقافتهم عالية وفكرهم ناضجًا، ونجحت المجلة نجاحًا كبيرًا، مما أغضب أعداءها الذين استمروا فى محاربتها، لكنها تمكنت رغم الهجوم عليها أن تستمر سنتين فى الإصدار. مصطفى عبدالرازق كان يُشرف على تجميع مقالات الكُتاب وطبعها وفى فترة صدورها كتب فيها مقالات تقريبًا فى كل عدد وآخر مقالة كتبها فيها كانت بتاريخ ٢٧ ديسمبر ١٩١٧ وبعد ذلك توقفت المجلة.
فى الأول من أكتوبر ١٩١٥ تم تعيين مصطفى عبدالرازق فى «مجلس الأزهر الأعلى» بعد أن وُضعت فى طريقه عراقيل كثيرة، وكان وراء موضوع التعيين هو السلطان حسين كامل نفسه، حيث إن السلطان حسين كامل كان يعرف- منذ فترة كبيرة- حسن باشا عبدالرازق، والد مصطفى الذى كان رئيس «الجمعية الزراعية» التى كان حسن باشا عضوًا بها، بالإضافة إلى أن السلطان حسين كامل كان رئيس «الجمعية الخيرية الإسلامية» التى أسسها محمد عبده وكان سكرتيرها حسن باشا عبدالرازق. بعد أن صار حسين كامل سلطانًا قام بتعيين حسن باشا وكيلًا للديوان العالى السلطانى، وعندما سافر حسين كامل إلى فرنسا قبل الحرب تقابل مع مصطفى عبدالرازق هناك وأُعجب به جدًا، واستمرت الصلة بينهما بعد عودة مصطفى إلى مصر، وطلبت «قدرية» ابنة السلطان حسين كامل من مصطفى عبدالرازق أن يترجم لها كتابًا من الفرنسية إلى العربية فترجمه لها، وكان الكتاب بعنوان «طيف خيال ملكى». بعدما جلس حسين كامل على عرش مصر أراد أن يُعين مصطفى عبدالرازق سكرتيرًا للمجلس الأعلى للأزهر والمعاهد الدينية بدلًا من «عبدالغنى شاكر بك»، لكن الأزهريين وغيرهم عارضوا الموضوع بسبب أفكار مصطفى عبدالرازق وأنه من جماعة «السفور»! وأيضًا بسبب أنه كان له أصدقاء أجانب وأنه كان يحضر حفلات كانت بالنسبة لهم من المنكرات! تحجج المعارضون بأن مركز سكرتير المركز مشغول بعبدالغنى شاكر بك ولا يجوز عزله، فقام حسين كامل بتعيين مصطفى عبدالرازق مؤقتًا كاتبًا للمجلس بمرتب عشرين جنيهًا، على أن يتسلم الوظيفة من ٤ نوفمبر ١٩١٥ لمدة سنة تحت التمرين، وأن يبدأ من ٤ أكتوبر لمدة شهر من غير مرتب. مصطفى عبدالرازق كان بصدد رفض العرض، لكنه رأى أن قبوله فيه مجاملة للسلطان ويجعله مرضيًا عنه، فتسلم الوظيفة وظل بها حتى تمت إقالة «عبدالغنى شاكر بك» بعد فترة، وحل مصطفى مكانه إلى أن قدم استقالته بعد أن وجه له عضو فى المجلس إهانة بقوله: «مش من حقك أن تتكلم فى المجلس»، لكن رئيس الوزراء «حسين باشا رشدى» تدخل ربما بطلب من السلطان حسين كامل وقام بمصالحة مصطفى عبدالرازق.
فى تلك الفترة تحول «منزل أولاد عبدالرازق» فى حى عابدين فى القاهرة لصالون يجتمع فيه المسلمون والمسيحيون والأجانب والرجال والسيدات لمناقشة المواضيع الدينية والفلسفية والسياسية والمذاهب الفكرية وغيرها، سواء باللغة العربية أو باللغات الأجنبية. أفرزت تلك الندوات نوعًا من النهضة الفكرية فى مصر وظهرت عن طريقها طبقة من المصريين لهم طابع معين تندمج عندهم الثقافة الحديثة بالقديمة والفلسفة بالدين. مصطفى عبدالرازق كان محور تلك الحركة، مما سبب له عداوات كثيرة ومكائد أكثر من المتزمتين الذين كانوا ضد هذا المنهج المستنير. فى سنة ١٩١٦ صار مصطفى عبدالرازق عضوًا فى «الجمعية الخيرية الإسلامية» وفى ١٩٢٠ انتُخب عضوًا فى مجلس إدارتها، وظل فى هذا المركز حتى سنة ١٩٤١، حينما انتُخب وكيلًا لرئيس الجمعية، ثم فى ٢٨ فبراير ١٩٤٦ صار رئيسًا للجمعية بعد وفاة الشيخ محمد مصطفى المراغى «١٨٨١- ١٩٤٥»، وظل رئيسها حتى وفاته.
ads