الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

القس إبراهيم سعيد.. البنّاء الحكيم

الثلاثاء 15/أكتوبر/2019 - 09:13 م
طباعة
وُلد فى ١٥ يوليو ١٨٩٥ بمدينة ملوى بصعيد مصر، توفى والده بينما كان الطفل إبراهيم يبلغ من العمر عامًا واحدًا، لكن الرب كان أبًا حقيقيًا له. بعد أن أكمل تعليمه الابتدائى أرسله جده إلى أسيوط، واستمر جده فى رعايته له حتى تخرج فى المدرسة. فى كلية أسيوط درس العلوم وبعد تخرجه قرر دراسة العلوم الدينية، كانت نفسه متشبعة بالإيمان الصادق، كان فى نظام كلية اللاهوت الإنجيلية أن يُبعث الطلبة خلال الإجازات الصيفية ليقوموا بخدمة الوعظ فى المدن الصغيرة.
كان من نصيب إبراهيم سعيد أن ذهب إلى بلدة تُدعى «الفريزات». عندما بلغ من العمر عشرين عامًا، دعته كنيسة «بنى مزار» الإنجيلية ليكون راعيًا لها، فنجحت خدمته وازدهرت، كما كان كعادته على صلة قوية وطيبة مع جميع الطوائف، وكان كثيرًا ما يُدعى للوعظ فى كنائس من طوائف مسيحية مختلفة. وفى أثناء ثورة ١٩١٩ طلب منه إخوتنا المسلمون أن يعظ فى الجامع عن الوحدة بين المصريين، فكانت ظاهرة طيبة، قدّرها أهل تلك المدينة. وبعد أن خدم بمدينة بنى مزار ٩ سنوات، قُدمت له الدعوة من كلية اللاهوت ليكون أستاذًا مقيمًا بها، ومختصًا بتدريس اللغة العبرية، وذلك لتُتاح الفرصة لطلبة اللاهوت أن يتعلموا العبرية لدراسة الكتاب المقدس. وقد بدأ عمله كأستاذ فى كلية اللاهوت مع بدء العام الدراسى لعام ١٩٢٥. وفى تلك السنة وبالتحديد فى ٢٢ أكتوبر ١٩٢٥ وفقه الرب فى الزواج من فتاة تقية هى الآنسة «باسمة»، وأقيمت مراسم الزواج فى كنيسة الأزبكية الإنجيلية. كان والدا العروس يستصعبان سفر ابنتهما- مع زوجها- إلى «بنى مزار»، ولكن حدث فى اليوم المحدد لعقد الخطبة، وهو يوم أول مايو ١٩٢٥ عقد اتفاقه مع كلية اللاهوت بالقاهرة، فشعرت الأسرة كلها بتدابير الرب الصالحة لكلا العروسين وأسرتيهما. فى كلية اللاهوت كان يقوم بتدريس عدة مواد غير مادة اللغة العبرية التى سبق ودرسها على يد حاخام عبرى لمدة ٣ سنوات حتى أتقنها. وأثناء قيامه بالتدريس فى كلية اللاهوت طلبت منه «الجمعية الإنجيلية للسوريين» الكائنة بالفجالة- والتى قام السنودس الإنجيلى بتغيير اسمها فيما بعد إلى «كنيسة شارع إبراهيم باشا»- أن يعظ فيها. ثم وجهته العناية الإلهية إلى قاعة محاضرات جمعية الشبان المسيحية بشارع إبراهيم باشا بالقاهرة، فكان يلتف حوله صباح الآحاد طلاب الجامعة. وبعد أن قضى فى التدريس فى كلية اللاهوت ١٢ سنة، رأى أن يتفرغ للوعظ فقدم استقالته لكلية اللاهوت، وانصرف للوعظ، وللعمل فى «مطبعة النيل المسيحية» فى التأليف وفى كتابة التفاسير، كما كان أيضًا رئيسًا لتحرير مجلة «رسالة السلام» التى كانت تصدرها المطبعة. وقد أقيمت حفلة تنصيبه راعيًا على كنيسة إبراهيم باشا الإنجيلية فى ١٥ مارس ١٩٤٠. فى تلك الأثناء كانت مطبعة النيل المسيحية تعتزم إقامة مبنى لها فى شارع إبراهيم باشا، فعهدت إدارة المطبعة إلى القس إبراهيم سعيد بالإشراف على مبناها بصفته وكيلًا لها، فكتب للإدارة فى إنجلترا اقتراحًا ببناء قاعة فى أول دور من مبناها الجديد، وأن يُطلق على تلك القاعة اسم «مس فان سومر» تخليدًا لذكرى السيدة التى أسست مطبعة النيل المسيحية، وتعهد لهم بأن يستأجر تلك القاعة لاجتماعات الكنيسة إلى أن يسمح الرب ببناء كنيسة دائمة. فوافقت الإدارة على طلبه وبُنيت القاعة، بالإضافة إلى عمارة فخمة فوقها مؤلفة من ٦ أدوار. طوال تلك الفترة كان القس إبراهيم سعيد يحلم ببناء بيت للرب. وظل سنين طويلة يتحدث عن «مشروع العمارة»، وكان يثق فى الله الذى سيدبر كل شىء صالح فى الوقت المناسب. كان يسعى لشراء قطعة أرض لبناء بيت للرب، وحدث أن عرض فى عام ١٩٤١ على الأستاذ كامل بشاى قطعة أرض مُقام عليها بناء بشارع السلطان حسين تبلغ مساحتها ١٣٤٠ مترًا مربعًا بثمن ١٣ ألف جنيه، واستشار فى ذلك كلًا من الأستاذ إميل الكسان والأستاذ إلياس مرشاق، وقد وافقا على تلك الأرض. فى ذلك الوقت لم يكن بالكنيسة سوى ما يقرب من ٢٠٠٠ جنيه! وأصحاب العقار كانوا يطلبون ٤٠٠٠ جنيه نقدًا كدفعة أولى. ولكن لأن «بركة الرب تُغنى ولا يزيد معها تعب» فقد دبر الرب كل المتطلبات الخاصة بالشراء، فكان الثلاثة أصدقاء يجتمعون للتشاور بمنزل الأستاذ إميل الكسان وكان يجتمع معهم د. مكلانهن، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى ذلك الوقت. كان العقار يشغله «قلم قضايا مصلحة الأملاك الأميرية» ولم يكن للمشترى أن يفسخ عقد الإيجار بسبب القانون الخاص بتنظيم العلاقة بين المُلاك والمستأجرين فى ذلك الوقت. وظل الحال على هذا المنوال حتى أمكن للمشترين استصدار أمر ملكى ببناء الكنيسة فى مايو ١٩٤٤. ولهذا الأمر الملكى قصة لطيفة: قام الملك فاروق بإصدار القرار الملكى بطلب من مُعلمه الخاص وهو أحمد حسنين باشا الذى سبق ودرس فى إنجلترا، حيث أقام وقتها فى منزل القس «ألكسندر وايت» الواعظ القدير. وبعد وفاته قررت زوجته أن تسافر فى رحلة سياحية حول العالم. وفى مصر، اصطحبها السيد أحمد حسنين باشا لمقابلة القس إبراهيم سعيد الذى رحب بها. ومن باب حُسن المعاملة سأل أحمد حسنين باشا القس إبراهيم سعيد إن كان يمكن أن يساعده فى شىء. فطلب منه القس إبراهيم سعيد تصريحًا ببناء الكنيسة وطلب منه إن كان ممكنًا أن ترى السيدة «وايت» التصريح موقعًا من الملك قبل عودتها. وقد تم هذا فعلًا. ثم إن الرب- تبارك اسمه- أعد لهم فرصة ذهبية، إذ أصدر وزير المالية أمرًا لقلم قضايا مصلحة الأملاك بإخلاء العقار فورًا وقد تم هذا فى سبتمبر ١٩٤٧. وعلى الفور قام المشترون ببيع أنقاض المنزل الذى كان قائمًا بمبلغ ٢٦٠٠ جنيه، وفى أوائل ديسمبر ١٩٤٧ احتفل الجميع بوضع أساسات البناء الذى هو الآن كنيسة «قصر الدوبارة»، وقامت بهذه العملية شركة «إيجيكو». وفور ذلك انهالت التبرعات وتسابقت الفتيات والسيدات فى تقديم مجوهراتهن من أساور وأقراط وصلبان ذهبية. وقد أجريت مسابقة لتصميم عمارة الكنيسة، من بين الذين اشتركوا فيها المهندس أنطوان نحاس والمهندس رمسيس ويصا واصف والمهندسان ميخائيل موسى ويوسف الدويرى ومعهما زميل ثالث، وكانت لجنة عمارة الكنيسة برئاسة السيد سابا حبشى باشا وعضوية المهندس فرج أمين والأستاذ إميل الكسان وإلياس مرشاق ود. وليم سليم حنا. وقد استقر الرأى على اختيار تصميم المهندس أنطوان نحاس. وقام د. وليم سليم حنا- أستاذ الخرسانة المسلحة بهندسة القاهرة- بوضع تصميم الخرسانة بكل تفصيلاتها، كما قام بمتابعة العملية فى جميع أدوارها، وكل هذا تبرعًا منه دون أجر، كما قام بتقديم تبرع مالى أيضًا. اكتمل البناء سنة ١٩٥٠. وعندما رأى الملك فاروق الكنيسة فى الميدان الرئيسى بالقاهرة، حزن حيث إنه فى هذه الآونة كان يتمنى أن يصبح خليفة المسلمين بعد أن انتهت الخلافة فى تركيا سنة ١٩٢٣. فأصدر أوامره بألا ترتفع منارة الكنيسة أكثر مما كانت عليه فى ذلك اليوم، وأمر ببناء مبنى حكومى ضخم لكى يخفى الصليب، وبناء جامع جديد جميل فى الركن الآخر من الميدان. فى يوليو ١٩٥٢ قامت الثورة وتم ترحيل الملك فاروق من مصر إلى إيطاليا. وعندما زار الرئيس جمال عبدالناصر الكنيسة فى عيد القيامة ١٩٥٥، وقتها رحب به القس إبراهيم سعيد وقال للرئيس: «كره الملك فاروق أن يرى صليبًا واحدًا فأرسله الله إلى حيث لا يرى إلا صلبانًا». كان القس إبراهيم سعيد أمينًا فى خدمته، إذ حمل رسالته بتقوى وإيمان على مستوى الإعجاز. وفى ٥ مايو ١٩٧٠ انطلق كجبار بأس إلى حياة السمائيين، حيث يكافأ مكافأة الأبرار، وترك لنا سيرة عطرة.
ads