الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

مصطفى عبدالرازق.. المنادى بالحرية الفكرية «1-4»

الجمعة 11/أكتوبر/2019 - 07:56 م
طباعة


وُلد مصطفى عبدالرازق فى قرية «أبوجرج»- محافظة المنيا- نحو سنة ١٨٨٥، والده هو حسن عبدالرازق، الذى درس فى الأزهر، وكان عضوًا فى المجالس شبه النيابية، ووالدته هى «خدوجة عثمان الشريعى» من سمالوط. عندما بلغ السابعة من عمره التحق بُكّتاب القرية- كما كانت العادة فى القرى المصرية وقتها- وبه تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ سورًا من القرآن. وعندما بلغ ١١ سنة أرسله والده إلى القاهرة وألحقه بالأزهر.
فى إجازات الصيف كان والده يهتم به ويقرأ له كتبًا أزهرية ويدرّس له أشعارًا، وبالأخص أشعار «المتنبى»، فبدأ يهتم بالأدب، ويكتب النثر والشعر، وكان والده يصححها له. أعد صحيفة للعائلة كان يقوم بطبعها على مطبعة «البالوظة» ويوزعها على الأقارب، ثم فى سنة ١٩٠٠ أسس جمعية عائلية باسم «جمعية غُرس الفضائل»، وظل هو أمين الجمعية، التى كانت تجتمع كل أسبوع، ويخطب فيها أشخاصًا من عائلته، واستمرت الجمعية حتى سنة ١٩٠٥. زاد اهتمام مصطفى عبدالرازق بالأدب، فاتصل بصحيفة «المؤيد»، التى كان يحررها الشيخ على يوسف، وكتب مقالات فى تلك الصحيفة، وكتب مقالات فى مجلة «الموسوعات»، التى كان يحررها محمد فريد زعيم الحزب الوطنى وقتها.
كان والده حسن باشا عبدالرازق عضوًا فى مجلس النواب عن مديرية المنيا فى عهد الخديو إسماعيل، وبعد أن تم حل المجلس ظل عضوًا فى مجلس شورى القوانين عن مديرية المنيا، وكان معه فى المجلس الشيخ محمد عبده، واشترك معه فى إنشاء «الجمعية الخيرية الإسلامية» فى القاهرة، وجمع تبرعات لبناء مدرسة فى بنى مزار افتتحها الشيخ محمد عبده فى احتفال كبير. حسن باشا عبدالرازق كان رجلًا صريحًا فى قوله معروفًا بجرأته، حدث بعد أن وصلت الخديو إسماعيل عريضة بها العديد من المطالب، غضب منها واعتقد أن الذى كتبها هو حسن باشا عبدالرازق، فأصدر أمرًا بنفيه إلى السودان، لكنه عاد وعفا عنه فى آخر لحظة قبل أن يستقل القطار المتجه إلى الصعيد.
مصطفى عبدالرازق وقتها كان قد تلقى تعليمه فى الأزهر على أيدى شيوخ متزمتين، غالبيتهم معارضون لآراء محمد عبده، وكانوا يتهمونه بانعدام الوطنية وعدم تدينه، وبالتالى كان متأثرًا بهم. لكن منذ حوالى سنة ١٩٠٣ بدأ يحضر دروس محمد عبده التى كان يلقيها ثلاث مرات فى الأسبوع بعد صلاة المغرب فى الرواق العباسى فى الجامع الأزهر، وكان يحضر اجتماعاته فى منزل عائلة «طه حسين»، وفى منزل والده نفسه، وبعد قليل ابتدأ يقتنع بأفكار الشيخ محمد عبده ويحترمها، وبعدما دخل فى صراع نفسى داخلى بسبب الأفكار الرجعية المتزمتة التى تعلمها فى الأزهر من جهة والأفكار المستنيرة التى سمعها من الشيخ محمد عبده من جهة أخرى، كتب خطابًا للشيخ محمد عبده أفصح فيه عما بداخله، فسُر الشيخ محمد عبده بالخطاب ونشره من غير توقيع فى مجلة «المنار» التى كان يصدرها فى القاهرة محمد رشيد رضا. مصطفى عبدالرازق كان معجبًا إعجابًا كبيرًا بأفكار وكُتب الشيخ محمد عبده، وكان تقريبًا مُلمًا بكتاب «رسالة التوحيد»، وهو الكتاب الذى ترجمه بعد ذلك للفرنسية مع صديقه الفرنسى «برنار ميشيل»، وأيضًا «جمال الدين الأفغانى» الذى كان أستاذًا للشيخ محمد عبده، فاهتم مصطفى عبدالرازق بأفكار ومؤلفات جمال الدين الأفغانى. مصطفى عبدالرازق كان يناقش زميله فى الأزهر «طه حسين» أفكار محمد عبده وكتاب «رسالة التوحيد». لكن محمد عبده بسبب العداء، الذى كان يواجهه من شيوخ الأزهر المتزمتين، ومن حاكم مصر وقتها الخديو عباس استقال من مجلس إدارة الأزهر، وبدأ يجهز لإنشاء «مدرسة القضاء الشرعى» بهدف تخريج مجموعة مثقفة دينيًا ومستنيرة للتطوير والنهضة، لكنه توفى فى ١١ يوليو ١٩٠٥.
وفاة الشيخ محمد عبده لم تكن آخر المطاف بالنسبة لأفكار مصطفى عبدالرازق، حيث إنه كوّن مجموعة من التلاميذ يؤمنون بضرورة التغيير والتطوير. وتم إنشاء قسم القضاء الشرعى فى أوائل سنة ١٩٠٧. تجمع تلاميذ محمد عبده حول الشيخ أحمد أبوخطوة الذى أخذ يقوم بإعطاء دروس، وهذا لم يعجب الخديو عباس، وكوّن التلاميذ جمعية أطلقوا عليها اسم «الجمعية الأزهرية»، واختاروا مصطفى عبدالرازق رئيسًا لها، لكن الجمعية لم تستمر طويلًا بسبب تفرق الأعضاء وانشغالهم فى الامتحانات وفى حياتهم الخاصة.
فى سنة ١٩٠٨ أصدر الخديو عباس قانونًا جديدًا لكى يرضى به الأزهريون الذين يطالبون بالتطوير، ويشتكون من النظام القديم، وفى نوفمبر بدأت الدراسة فى الأزهر على نظام جديد، لكن الطلبة اعتبروا هذا الإصلاح مجرد إصلاح ظاهرى فقط، فتمردوا وثاروا وخرجوا فى مظاهرات فى القاهرة تطالب بإصلاح الأزهر وإلغاء القانون الذى أصدره الخديو، واجتمع عدد منهم وأصدروا مطالب وكونوا لجنة أُُطلق عليها اسم «لجنة الاتحاد الأزهرى»، وتعاطف معهم الرأى العام فى مصر وشجعهم. التفت جماعة من شبان علماء الأزهر حول مصطفى عبدالرازق، الذى كان يدرّس لهم فى مدرسة القضاء الشرعى، وكونوا حركه اسمها «جمعية تضامن العلماء»، وكان لتكوين هذه الحركة صدى كبير عند الحكومة والرأى العام. لم يكن مصطفى عبدالرازق رئيس الحركة، لكن من غير شك كان من أهم عقولها المفكرة، وعندما شن أعداء الحركة حربًا قوية ضد «جمعية تضامن العلماء» كل سهامهم كانت موجهة نحو مصطفى عبدالرازق كهدف رئيسى.
فى تلك الأثناء، اتفق الشيخ عبدالعزيز شاويش مع جهات كانت تهتم بنشر الثقافة واللغه الفرنسية فى مصر على تأسيس مدرسة لها نظام خاص تمكن الأزهريون من دخولها حتى يتعلموا بها اللغة الفرنسية وعلومًا أخرى تؤهلهم للسفر إلى فرنسا لتكملة دراستهم، وقام الشيخ شاويش بتشكيل مجلس إدارة للمدرسة كان من أعضائها مصطفى عبدالرازق، الذى استقال من مدرسة القضاء الشرعى، وقرر أن يسافر إلى فرنسا فى بعثة تعليمية، فسافر إلى بورسعيد يوم ٢٢ يونيو ١٩٠٩، وهناك استقل باخرة إلى مرسيليا، ومنها استقل قطارًا إلى باريس، فى تلك الرحلة كان معه أحمد لطفى السيد، رئيس تحرير «الجريدة»، التى كان يصدرها «حزب الأمة».
ads