رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 02 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
سيد أبو ليلة
سيد أبو ليلة

سيد أبوليلة يكتب: هل نجحت الأناركية في غسل سمعة الجوكر؟

الجمعة 11/أكتوبر/2019 - 03:35 م
طباعة
جلست على مقعدي في السينما، وقبل بدء عرض فيلم الجوكر الذي حذرني كثيرون من مشاهدته لأنه «يسبب الاكتئاب»، رفضت فكرة تبادرت إلى ذهني، مفادها أن مخرج الشريط تود فيليبس وشريكه في كتابة السيناريو سكوت سيلفر سيلجآ إلى تحميل الشخصية القديمة بأسطورة ما ليعيدا إحياءها.. بالطبع لا.. فالرجلان اقتربا من الأوسكار ذات يوم ولن يقعا في فخ الاستسهال بالتأكيد.

بدأ الفيلم، رأيت البطل يجلس في مكانٍ يشبه كواليس مسرح ما، أمام مرآة، يحاول توسيع فمه بإصبعيه ليصنع ضحكة جديرة بمهرج يحمل المساحيق اللازمة على وجهه، وبالتزامن يسمع الجمهور أخبار احتجاجات بمدينة جوثام.. نعم نفس المدينة الخيالية التي احتضنت باتمان منذ شتاء 1940.
تقول الأخبار إن جامعي القمامة أضربوا عن أعمالهم اعتراضًا على الأوضاع السياسية، فامتلأت الشوارع بالمخلفات.. ساورني الشك الأول وأحسست بـ«يخلق من الشبه 40»، ولكنني ذكّرتُ نفسي بأن صديقي هو من ابتاع تذاكر السينما، لذا فإن الخسائر لن تكون كبيرة على أي حال.

تلى ذلك اضطهادٌ «قَدَريٌ» للبطل، الذي عرفنا أنه مهرج سيئ الحظ في العقد الرابع من عمره تقريبًا، يعيش مع والدته فقط ويعاني من مرض يتسبب في إصابته بنوبات ضحك طويلة غير مبررة، ورأينا «طوب الأرض» يعترض طريقه وينغص عليه حياته، وهو ـ الجوكر القوي ـ لا يجد ما يفعله، وكأن الكاتبين يتعمّدان شحن الشخصية والمشاهدين، ليجعلا الجالسين على مقاعد السينما يتمنون أن يفعل هذا البطل أي شيء كي لا يلوموا أنفسهم على ثمن التذكرة.
مشهد آخر، يُظهر البطل جالسًا أمام طبيبة نفسية تؤدي عملها بشكل روتيني مع تذكير بأن هذه الخدمة مدفوعة من حكومة المدينة، ومشهد آخر يؤكد نفس المعلومة يجلس خلاله البطل في باص ويحاول إضحاك طفل أمامه فتوبخه الأم، فيدخل في نوبة ضحك، فتؤنبه الأم، فيُظهر لها وثيقة تثبت مرضه الغريب الذي يحاول إخفاءه.

ركز المخرج في مشاهد كثيرة تلت ذلك على أن البطل قد يعيش بعض الأحداث الوهمية، ما يجعل أي شخص يشاهد الفيلم يشك في أن أي رسالة تصله قد تكون كاذبة حتى نهاية الفيلم.
وضع المؤلفان البطل في نفس المدينة التي اعتاد الجمهور على وجوده بها مع باتمان منذ 80 عامًا في أفلام ومسلسلات وأعمال كرتونية «دون سبب»، وعرّضاه لضغوط نسباها بشكل مباشر لحكومة فاسدة قادت المجتمع إلى الديستوبيا، فالجميع يتنمر ويعتدي والسلطة غارقة في الملذات، وهنا كان الوقت مناسبًا ليرتكب الجوكر أول جريمة قتل بسلاح منحه إياه صديقٌ مهرجٌ فقير، مع مهلة سداد مفتوحة، ليتضح بعد ذلك أن هذا الصديق فعل ذلك لإفساد العلاقة بين الجوكر ومديره لينتهي الأمر بطرده من العمل.. نعم شخص فقير يدخر مالًا ويشتري مسدسًا ليمنحه لزميل العمل، ثم يسقط السلاح ـ سهوًاـ من جيب الجوكر خلال عرض كوميدي، فينتهي الأمر بالبطل مظلومًا وبلا عمل.
وبالطبع كان المجني عليهم في الجريمة الأولى من الطبقة الغنية الفاسدة التي تتعامل بغرور مع الجميع وتتحرش بالفتيات وتضرب الجوكر لأنه ـ فقط يضحك ـ فيضطر الرجل إلى تصفية 3 شبان يعملون في «وول ستريت»، لدى نفس الشركة التي كانت تعمل بها والدة البطل يومًا ما، وفجأة يؤيد أهالي المدينة مرتكب الجريمة الخفي ويلبسون أقنعة المهرجين.. بعد ذلك يعود الجوكر لبيته فتوصيه الوالدة بإرسال خطاب كتبته إلى مدير شركتها القديمة ليرسل لهما مبلغًا يساعدهما على تحمل مشاق الحياة.
صاحب الشركة، الغني الذي يترشح لمنصب عمدة المدينة، تذكره الأم بالخير دائمًا، رغم أن جميع من في جوثام يكرهونه.. يتجرأ الجوكر ويفتح الخطاب ليفاجأ بأن صاحب الشركة أبوه من علاقة غير شرعية، فيقرر أن يقابله.. هنا لا أعرف لماذا تخيلت النجم الهندي أميتاب باتشان يتثاءب.
ذهب البطل- الذي قرر بشكل ضمني الانتقام من الجميع - إلى منزل والده، فلم يجده، ولكنه التقى أخاه الصغير، فلعب معه قبل أن يطرده موظف لدى الأب، فذهب الجوكر إلى السينما ليقابل الأب الذي يحضر افتتاح فيلم بمشاركة جميع أغنياء المدينة، وفي خارج دار العرض اجتمع الفقراء في تظاهرة ارتدوا خلالها الأقنعة، فنظر إليهم البطل مبتسمًا وكأنه صنع إنجازًا ما، تأكد في حديثه للطيبية حينما أخبرها بأن الناس بدأوا في الإحساس بوجوده، قبل أن تخبره بأن الحكومة ألغت تمويل برنامج العلاج المجاني.

مشاهد كثيرة تلت ما سبق، لا تختلف عن فكرة فيلم «V for Vendetta»، قتل خلالها البطل أمه وصديق العمل والمذيع الكوميدي الذي سخر منه، ولم يقتل أباه رغم أن الفرصة كانت سانحة، تضمنت تلك المشاهد نزقًا ثوريًا يساريًا وتدليسًا يُعبّد الطريق أمام فكرة الأناركية ـ اللادولة ـ لتكون الحل المثالي لأي اضطراب في أية دولة، دون خطة، دون وعي، دون أي شيء.
للأسف، وعلى الرغم من القدرات التمثيلية الكبيرة للنجم الأمريكي خواكين فينيكس، إلا أن أغلب شخصيات الفيلم كانت مسطحة وأغلب النقلات الدرامية كانت مفتعلة ومؤدلجة، ولم يكتف المخرج بالنهاية التي احتفى خلالها الثائرون ـ الذين أحرقوا المدينة ـ ببطلهم، بل جعله يقتل طبيبة السجن وهو مكبل بالأغلال.. دون أن نعرف كيف حدث ذلك ولماذا، وانتهى الفيلم بمشهد يظهر خلاله البطل يركض ذهابًا وإيابًا.. وخلصانة بـ«ثورة أو اكتئاب».