الجمعة 06 ديسمبر 2019 الموافق 09 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

"رائحة البرتقال".. رواية "الورداني" الرمزية

الإثنين 07/أكتوبر/2019 - 12:57 م
جريدة الدستور
يسرى أبوالقاسم يكتب :
طباعة
ليست كل الروايات قابلة للفهم من القراءة الأولى، خاصة وإن كانت تنتمي الى المدرسة الرمزية، التى تستند إلى الإيماءات والبحث في ماورائيات الأشياء الظاهرة للشخص العادى، لذا هى تخالف الواقعية وتقف منها موقف الضد على طول الخط. وهذا ما تجده حرفيا وأنت تقرأ رواية "رائحة البرتقال" للكاتب "محمود الوردانى" الذى يجعلك لا تهدأ وأنت تطوف معه فى شوارع وأزقة وحقول وحوانيت مصر المحروسة، يجعلك تركض مع بطل روايته وهو يحمل طفلته ويتلفت يمينا وشمالا، يبحث لها وله عن شئ يفتقده.

قد يكون الهدف من سعيه وركضه بطفلته هو سرير النوم، الإجابة بالنفي قطعا لأنه حمل طفلته من سرير نومها وخرج، ربما كان يبحث لها عن أم تلقمها ثديها.. هذا أيضا ليس صحيحا فأمها كانت فى البيت وقت خروجه بطفلته، وهى امراة جميلة تفوح منها رائحة البرتقال.

إذن لماذا يطوف الرجل بابنته التى كان يعتقد أنها ذكر فى البداية؟ وكيف لا يعرف الرجل جنس مولوده ؟
كل ذلك يجعلنا نسرح فى رمزية الوردانى، وكأن الرجل ليس هو الرجل، وكأن الطفلة ليست طفلة، بل كلاهما ضمير يبحث عن الحرية والعدل والمعانى السامية والافكار النبيلة، وكأنهما قلب يبحث عن الحب عن الدافئ عن الطمأنينة،عن رائحة البرتقال النفاذه التى تنعش الروح.

الرمزية التى بدأت فى أواخر القرن التاسع عشر على يد جون مورياس ومالارميه فى فرنسا، تجلت هنا وامتزجت برائحة البرتقال فى رواية محمود الوردانى، الذى يبتسم فى وجهك وهو يلقى أمامك بخيوط كثيرة بألوان مختلفة، ويطلب منك أن تحيك منها ثوبا لنفسك ترتديه فيستر عورتك.

أشار الكاتب إلى كنيسة مارجرس ثم عطف إلى مسجد عمر بن العاص، وهو يحمل طفلته أو ضميره، وهذا ليس محض صدفة بل كان عمدا، فهو يرمز إلى تركيبة مصر، التى يعانق الهلال فيها الصليب.

كما يشير الى القردة الذين يقفزون أمام غرفته، وإلى المرأة السمراء النحيلة التى تعطى ولا تأخذ، كما تطرق الى المتربصين به وهم يركضون خلفه طوال الوقت. ربما أراد الوردانى أن يقول: إن الحسناء هى مصر السمراء، التى ما إن يتركها إلى مكان آخر حتى يصبح عرضة للخطر من كل جانب.

ومن هنا نفهم أن الرواية ليست مبنية على الحدوتة والحبكة الدرامية بين الشخوص مرورا بالأزمة ووصولا إلى حلها بل كانت سردا وصفيا يعتمد على الرموز والايماءات، التى تطرق عقل القارئ ليتخيل كما يحلو له، حتى لوصنع فى عقله رؤية مغايرة أو قصة المهم هو أن يفكر ليفهم.