الأحد 08 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مدحت بشاى
مدحت بشاى

الخطاب الدينى وإعلام الصناعات الثقافية

الخميس 03/أكتوبر/2019 - 05:56 م
طباعة
نتابع بشكل لافت ومُطيب للنفوس تكرار دعوة الرئيس السيسى لتطوير الخطاب الدينى، وتقويم ودعم سبل الأداء عند التعامل مع المواطن المتلقى أمور تفسير الآيات الكريمة والشرح المُبين لكل أبعادها، وكل الأمور المتعلقة بالإفتاء والهداية والتنوير، ومناشدته رجال الدين والرموز الفكرية والعلمية والتعليمية بالمؤسسات الدينية المعنية بأمر الدعوة نشر مثل تلك الرسائل والتعاليم الروحية والمذهبية بالشكل المتوافق مع صحيح الأديان، ليعكف الجميع فى النهاية على تقديم رسائل رعاية وسلام وحب لأهالينا على أرض الوطن وللعالم بأسره، وتحفيز مواطنينا على مقاومة الفساد، والحرص على كل ما من شأنه دعم تقديم نماذج من أهل السلوكيات والقيم الإيجابية بمرجعية ثوابت دينية سليمة صالحة لكل زمان وأوان، وتأمين كل الخطوات الجادة، لينعم الجميع بكل حقوق «المواطنة الكاملة».
لكن، يبقى فى النهاية أن أمر تطوير الخطاب الدينى يتشارك فى صياغة وإيجاد والإشارة إلى محدداته وتجديد آلياته وتحديث معطياته العديد من مؤسسات التنشئة والتعليم والتثقيف والإعلام والتنمية.
وفى مجال العمل التثقيفى التنويرى، كنا ننتظر الكثير لدعم كل سبل وآليات نشر الفنون والأعمال الإبداعية والتنويرية فى إطار مقاومة الفكر الظلامى والتكفيرى الكاره للحياة والجمال والإبداع، وكل فنون إسعاد الناس وتنوير عقولهم ودعم وتطوير مساحات التناغم مع أحلامهم فى التعايش الآمن والاندماج الوطنى الرائع.
ولكن، ظلت المؤسسات الثقافية تشكو قلة الموارد والإمكانيات المالية، التى من شأنها توسيع دوائر العمل الثقافى؛ لتشمل كل مدن وقرى ونجوع محافظات مصر.وكتبت وكتب غيرى عن أهمية منح مؤسسات الثقافة والإعلام صلاحيات إنشاء أنشطة لتشجيع الشباب على ممارسة كل الفنون الإبداعية التى تدر عوائد تستثمر كموارد مالية، ولعل تجارب القطاع الخاص فى هذا الإطار تمثل نجاحات ونماذج يمكن البناء عليها وتعميمها، مثل تجربة «ساقية الصاوى» الناجحة فى تشكيل منفذ للتعبير والعمل الثقافى التنويرى عبر تسويق وبيع منتجات ثقافية وإبداعية.
فى هذا الإطار يؤكد د. عمادالدين أبوغازى، وزير الثقافة الأسبق، الباحث الأكاديمى الرائع، أنه مع دخول عالمنا إلى العصر الذى أصبح يسمى عصر «مجتمع المعرفة» ازدادت قيمة الإنتاج الثقافى وأهميته، وأصبحت الصناعات الثقافية عنصرًا أساسيًا من عناصر حساب قوة الدول والشعوب، قوتها المعنوية والمادية أيضًا. ويرتبط مفهوم الصناعات الثقافية ببعض الأنشطة الفكرية والإبداعية للإنسان أى بالمعنى الضيق للثقافة، فللثقافة معناها العام الذى يتفق عليه السسيولوجيون والأنثروبولوجيون باعتبارها استجابة الإنسان لإشباع حاجاته من خلال نماذج معيشية أو نماذج للفكر والعمل ابتدعها الإنسان فى سبيل البحث عن إشباع هذه الحاجات المعيشية، وهى نماذج مكتسبة يصل إليها الإنسان إما بالتفكير والعقل كاستجابة للوسط الذى يعيش فيه، أو عن طريق النقل من المجتمعات الأخرى، كما تتميز الثقافة بأنها اختراع أو اكتشاف إنسانى ينتقل من جيل إلى جيل مع القابلية للإضافة والتعديل والتغيير، أما الثقافة بمعناها الضيق فيقصد بها الأنشطة الفكرية الإبداعية والفنية التى يمارسها الإنسان، أى أن هذا المعنى ينصرف إلى الآداب والفنون بشكل أساسى، ثم إلى بعض أشكال الإنتاج الفكرى. ويرتبط مفهوم الصناعات الثقافية بهذا المعنى الأخير للثقافة.
ولا شك أن تعبير «الصناعات الثقافية» أصبح مصطلحًا فنيًا مهنيًا ذا معنى خاص يختلف عن صناعة الثقافة، أى صناعة الإنتاج الثقافى، ففى حين تعنى هذه الصناعة المنتجات الثقافية المصنوعة: كالكتاب واللوحة والبرنامج التليفزيونى وقطعة النحت، فإن الصناعات الثقافية تعنى العمل التجارى والاقتصادى والمهنى القائم على الإنتاج الثقافى، الشركات ورأس المال والقدرات التقنية والبشرية والمؤسسات والكليات.
وتحدد اليونسكو مصطلح الصناعات الثقافية بأنه ينطبق على تلك الصناعات التى تجمع بين ابتكار المضامين وإنتاجها والمتاجرة بها، وهى ذات طبيعة ثقافية غير ملموسة «غير قابلة للتغيير»، مضامينها محمية بقانون حقوق المؤلف، ويمكن أن تأخذ شكل البضاعة أو الخدمات، وعمومًا يشمل مفهوم «الصناعات الثقافية» الطباعة والنشر والوسائط المتعددة والوسائل السمعية والبصرية، والمنتجات الفوتوغرافية والسينمائية وكذلك الحرف والتصميم، وفى بعض البلدان يشمل هذا المفهوم المعمار، والفنون البصرية والأدائية والرياضة، وتصنيع الأدوات الموسيقية أو الإعلان والسياحة الثقافية. وعليه، بات يسعدنى المشاركة والإسهام بالرأى والكتابة على صفحات جريدتنا الغراء «الدستور»، لأننى أراها باتت راعية للفكر التنويرى، ولم يتم الاكتفاء بالأدوار الصحفية والإعلامية التقليدية.. أراها إصدارًا ثقافيًا مهمًا عبر العديد من صفحات دعم الإبداع بكل أشكاله، والاحتفاء على صفحاته برواد العمل الثقافى والفنى، وعرض نماذج من إبداعاتهم، وإبداعات شباب الجامعات والأقاليم.
وبالمناسبة، يسعدنى أيضًا تهنئة جريدة «القاهرة» التى تصدرها وزارة الثقافة بمناسبة تجاوز العدد «الألف»، وإهداء التحية والعرفان لمصدرها الأول الكاتب الوطنى المؤرخ «صلاح عيسى» وأسرة تحريرها وإدارتها لتحقيق العديد من الإنجازات المهنية، ودعونا نحلم بإصدارها كأول إصدار ثقافى يومى تصدره وزارة الثقافة منذ إنشائها، فى إطار دعم تطوير الخطاب الثقافى.