الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

السير نحو الحرب

الأحد 22/سبتمبر/2019 - 07:04 م
طباعة
كانت عندى شقة فى العريش اشتريتها منذ نحو عشرين عامًا بخمسة آلاف جنيه، وبعد اندلاع الإرهاب هناك أمسى السفر صعبًا للغاية، مع الأخذ بالاعتبار التقدم فى السن التى لم تعد تسمح بتحمل مشقة الطريق الطويل. هكذا قررت آسفًا أن أبيع الشقة بأى ثمن، ولم يكن يفصلها عن البحر سوى الطريق الرئيسى.
اتجهت إلى العريش من موقف المرج وظللت نحو ثلاث ساعات لكى أجد سيارة أو مكانًا فى سيارة، فركبت حتى القنطرة، ثم المعدية، ثم سيارة أخرى إلى العريش. على طول الطريق أوقفتنا الكمائن ونقاط التفتيش العسكرية، وقطعنا الطريق داخل العريش بين الكمائن والدبابات. أوصلنا سائق من موقف العريش إلى البيت، وتعليقًا على الظروف القاسية قال: «نعمل إيه؟ لازم نعيش.. ننتحر يعنى؟». وسمعت فى صيحته تلك صوت مصر كلها التى تتحايل على الحياة. وبينما أنا أنهى إجراءات البيع شاهدت سقف الشهر العقارى وقد اخترمه الرصاص، وتساقطت أجزاؤه، ورأيت كيف أحاطوا البنك الأهلى بالمدرعات، كما تم تحويل السير من الشوارع الرئيسية إلى الشوارع الجانبية، حماية للمصالح الحكومية التى تقع على الطرق الرئيسية. تنشقت أينما ذهبت جو الحرب التى أشعلت ضد مصر، والحياة التى ارتفعت أسعارها أكثر أحيانًا من أسعار القاهرة. لم تكن تلك أولى الحروب التى أشهدها. كانت أولى الحروب وأنا فى الثامنة عندما وقع العدوان الثلاثى على مصر، وكنا نسكن فى الجيزة حين سقط جندى إنجليزى بالباراشوت على الغيطان المحيطة بنا، فأحاط به الفلاحون، وأنا واقف أتفرج، وأراه مرتبكًا مذعورًا، ثم قادوه إلى القسم. وفى حينها أبطلوا عمل المدارس، لأن الجنود المصريين أقاموا فيها، وكنت أذهب إلى مدرستى كل يوم أحمل طعامى وأقف عند السور ألوح للجنود، فيسمحون لى بالدخول، فأضع طعامى أمامهم، وأتفرج على البنادق، فيشرحون لى كيفية عملها، وفيما بعد صرت أدخل إلى معسكر الجنود بشكل تلقائى كل يوم كأننى أحد المجندين، ما إن ترانى الحراسة حتى تفتح لى الباب! الحرب الثالثة كانت بعد النكسة، لم أشهد منها سوى تطوعى مع خالى محمد للتدرب على إطلاق النار، وكان عبدالناصر قد فتح باب التطوع للشباب، فذهبنا وتدربنا، ولم يطلبنا للمشاركة أحد قط، وظلت الحرب مشهدًا يتأرجح بين الداخل والخارج البعيد. الحرب الرابعة التى شهدتها كانت فى ليبيا أبريل عام ١٩٨٦ حين قصفت القوات الأمريكية طرابلس، وكنت هناك فى فندق «باب البحر» حين ارتجت نوافذ الحجرة وتحطم زجاجها، فهبط جميع النزلاء جريًا إلى الطابق الأرضى، وفرغت الشوارع، ودوت أصوات المقاومة الشعبية، وكنا نقطع الشوارع تحت القصف إلى مبنى الإذاعة لنعرب عن تضامننا مع الشعب الليبى، ومن هناك كتبت لجريدة الأهالى مقالًا مطولًا عما جرى، إلا أن الحرب القاسية فعلًا التى شهدتها وعشت تحت قنابلها نحو عشرة أيام كانت فى الشيشان، عندما كلفتنى جريدة الاتحاد الإماراتية بتحقيق عن اللاجئين الشيشان فى داغستان، وكنت أقف بين خيام اللاجئين، لا يفصلنى عن حدود الشيشان، حيث المعارك، سوى عدة أمتار، فقررت التوجه إلى الحرب، ومنعتنى الجريدة خوفًا على حياتى، خاصة بعد مصرع ستة مراسلين صحفيين هناك، لكنها عادت ووافقت بعد إصرارى، فاستأجرت عربة «جيب» وقطعت بها الطريق بين الجبال الشيشانية إلى مواقع المقاتلين، ورأيت بينهم «فاطمة» وأخواتها من الشيشانيات يحملن البنادق، وأكلت مع الجنود، وكلما فاجأتنا غارة روسية هرولنا إلى تحت الأرض. وتعرفت على تاريخ جنوب روسيا، وداغستان، التى أنجبت الإمام شامل، الثائر الذى حارب القياصرة ثلاثين عامًا، وهو يستنفر شعوب الجنوب قائلًا لها: «يا سكان الجبال.. قدسوا الحرية كأنها أمهاتكم، ولا يغرنكم ذهب ولا ثروة». بعد عشرة أيام من الإقامة بين المقاتلين، عدت بنفس السيارة «جيب»، وعلى امتداد الطريق الضيق بين الجبال، رأيت البيوت التى كانت قائمة، وأنا ذاهب إلى الشيشان، وقد تحولت إلى أنقاض، واعترضت السيارة جذوع الأشجار الضخمة التى تهاوت من القنابل لتلفظ آخر خضرة فيها. وكتبت فيما بعد كتابًا لم يلق حظه من الاهتمام بعنوان «الصعود إلى الجبال الشيشانية». وكرهت الحرب التى لم أرَ منها سوى الدمار، والخراب، وحسبتها دومًا علامة على فشل العقل المتحضر وحماقة الضمير الإنسانى.