الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
RevUP Advertisements

زوجة سيد حجاب: لم يفكر فى شراء «مدفن» وقال: «لا يكتب سيرته الذاتية غير المقبل على الموت»

الجمعة 20/سبتمبر/2019 - 07:01 م
جريدة الدستور
إيهاب مصطفى- هاجر رضا
طباعة
قال لى: «نفسى تكونى آخر حاجة أقفل عليها عينيا» وتحققت أمنيته
تحدث عن حياته فى كتاب بـ«الإنجليزية» عنوانه «المصرى الجديد».. ولم يترجم حتى الآن

قالت السيدة ميرفت الجسرى، زوجة الشاعر الراحل سيد حجاب، إن الأسرة بصدد طباعة أعمال جديدة للشاعر لم تنشر من قبل، بالتعاون مع الهيئة العامة للكتاب، وفى مقدمتها «كتاب الأغانى»، الذى يضم مسيرة الشاعر مع كتابة الأغنية على مدى ٥٠ عامًا. وكشفت السيدة ميرفت، فى حوار مع «الدستور» بمناسبة ذكرى ميلاد «شاعر الغلابة»، كاتب «ديباجة» دستور مصر الحديث، التى تحل الإثنين- عن جوانب عديدة من حياة صاحب الكلمات المؤثرة فى حياة المصريين، التى عبرت عن طبائعهم وأحلامهم وتطلعاتهم وتاريخهم الاجتماعى والشعبى، فى أغنيات لأعمال درامية مهمة مثل «بوابة الحلوانى» و«الأيام» و«ليالى الحلمية» و«غوايش».

■ «شاعر الغلابة».. هل أحب «سيد حجاب» هذا اللقب عن غيره؟
- لم يهتم «حجاب» بالألقاب على الإطلاق، لكنه بالطبع كان سعيدًا بها، لأنها تعنى تقديرًا من الناس لما يكتبه، وهو بدوره كان يحب البسطاء جدًا ويفرح بمحبته لهم، كما أن هذه الألقاب مهمة لأى شاعر استطاع أن يصل للبسطاء، الذين كثيرًا ما كانوا يصفونه بـ«الشاعر الشاب» حتى بلغ الأربعين من عمره، وبعدها بدأوا يصفونه بـ«الشاعر الكبير»، وكان يضحك لهذا التحول ويذكره كثيرًا فى جلساتنا معًا ويردده لى.
■ لماذا لم يكتب سيرته الذاتية؟
- حين كان يعيش فى سويسرا أصدر سيد حجاب كتابًا باللغة الإنجليزية يحمل عنوان «new egyption» أو «المصرى الجديد»، بالاشتراك مع الكاتبة آن هانلت، وهو كتاب موجه إلى شريحة الشباب الإنجليزى المراهق، وضم سيرة ذاتية ذات كتابة خفيفة، كما هى حكاياته للمراهقين، لكن أحدًا لم يفكر فى ترجمته حتى الآن، وقد عرض الكثيرون عليه كتابة سيرته الذاتية، ولم يكتبها بالتأكيد لأسباب تخصه، فكان يرى أن من يكتب سيرته الذاتية غالبًا ما يكون مقبلًا على الموت أو يتوقعه، بينما ظل «حجاب» متفائلًا ومقبلًا على الحياة حتى وهو فى أشد لحظات التعب بشكل لا يمكن تخيله.
و«حجاب» كان غالبًا يجرب الكتابة فى اتجاهات مختلفة، فقد درس «الدراماتورج» وكان يكتب عنها ودخل فى تجارب مسرحية عديدة وغيرها من ألوان وفنون الكتابة، وفى كل هذه الأعمال كان يكتب بروح الهواية، وفى الوقت نفسه كان يأخذ الأمور بجدية.
وكنت أرى أن ميزته أنه يتوجه إلى الناس بشتى الطرق، ولم يكن يحب إهدار الوقت، بل دائمًا ما كان يقول عبارة شهيرة: «أنا بس باطلّع الشعر اللى جوايا»، وكان «حجاب» يكتب اليوميات فى جريدة «الأخبار» لمدة عام كامل، كجزء من سيرته الذاتية، لكنه لم يحاول جمعها والعمل عليها للأسباب التى ذكرتها.
■ شهدت النسخة الأخيرة من معرض القاهرة للكتاب إصدار ديوانين للشاعر.. هل هناك دواوين لم تنشر بعد؟
- نشر «حجاب» ٥ دواوين فى حياته، ونشرنا ديوانين آخرين ليصبح مجموع أعماله المنشورة ٧، لكن هناك الكثير من الأعمال التى لم تنشر بعد، وخلال الفترة الأخيرة اتفقنا بالفعل على نشر أحد كتبه مع الهيئة العامة الكتاب، وهو مؤلف بعنوان «كتاب الأغانى»، ويتضمن خلاصة ٥٠ عامًا من رحلة سيد حجاب مع الأغنية، وهناك كتب أخرى كثيرة ستتولى هيئة الكتاب نشرها تباعًا، وتضم مسرحيات شعرية وغيرها من الأعمال التى انتهى منها ولم يمهله القدر حتى تخرج إلى النور.
■ ماذا عن صومعة الشاعر.. كيف كان يكتب.. وما طقوسه ومصادر إلهامه؟
- كان «حجاب» يستخلص قصائده من واقع الرجل البسيط وما يواجهه من مواقف فى الحياة، ويرى نفسه معبرًا عن ذلك الإنسان، وبعد أن تختمر هذه المواقف فى ذهنه يقول: «حان الوقت لتفريغ هذه القصائد على الورق»، فتخرج فى هذه الأشكال التى نسمع البسطاء يغنونها بأفواههم.
وكان «حجاب» دائمًا ما يقول لى إنه يكتب أولًا جزءًا مما يفكر فيه، وبعدها بفترة يستطيع استرجاع ما اختزنه فى الذاكرة واستكماله بمجرد المرور عليه مرة أخرى، ولم يكتب عن أشخاص أو مواقف بعينها، وكان يكتب عن جميع الناس فى وقت واحد، لذلك نجده يكتب للجميع فى «الأوبريتات» التى ألفها، كما كتب قصائد فى رثاء أصدقاء العمر، مثل الكتابة عن الموسيقار عمار الشريعى والأستاذ صلاح جاهين وغيرهما.
وأذكر أننى ذات مرة كنت أسمع أغنية «مكتوبالى» التى غناها على الحجار، فقلت له إن هذه الأغنية تشبهنى كثيرًا، فقال لى: «نعم.. لقد كتبتها فيك أنت يا ميرفت»، ولولا سؤالى لما قال لى ذلك أبدًا.
■ كيف تفاعل الشاعر مع تتراته الشهيرة وهى تغنى أمامه فى التليفزيون؟
- كانت هذه اللحظة من أصعب اللحظات التى تمر على «حجاب»، فهو يتأثر بالموسيقى عامة، فما بالك أن يستمع لما يكتبه ويقوله للناس ومن أجل الناس؟ حقيقى أنه كان يبدو سعيدًا حين تغنى كلماته أمامه، لكنه كان يتأثر جدًا.
وكل «التترات» التى كتبها كانت قريبة من قلبه، لأنها نتاج تعبه، وكان يعشق الكثير منها ويكره تفضيل إحدى الأغانى على الأخرى، ولا يقول تلك أحلى أو أقل أو هذه أنجح وهذه فاشلة.
كان «حجاب» يعمل على قصيدة بعنوان «الحق والخير والجمال»، وهو فى مستهل الـ٧٠ من عمره، وقارب على الانتهاء منها، فكتب «باب الحق» عام ٢٠١٠، وبدأ فى «باب الخير» عام ٢٠١٢، أما «باب الجمال» فلم يمهله الموت لكتابته، وحينما كنت أزوره فى المستشفى ويكون نائمًا أو مجهدًا كنت أقول له «يلا عشان تكمل باب الجمال».
■ كيف كانت رؤيته لمصر وقت مشاركته فى إعداد دستور ٢٠١٤؟
- كان ضمن لجنة الحقوق والحريات الموكل لها إعادة صياغة ديباجة الدستور، وكان متفائلًا جدًا وسعيدًا بمستقبل مصر فى ذلك الحين، وبتلك المهمة التى أوكلت إليه، وكان لأول مرة فى حياته يذهب إلى عمل من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل، رغم أنه فى ذلك الوقت كان يمر بفترات من المرض والإجهاد وأصيب بالالتهابات، لأنه لم يعتد العمل على هذا النحو، حتى كنت أقول له: «لولا قيمة ما تفعل لقلت لك أقعد فى البيت»، لكنه قاوم وكان يشعر بالسعادة والفخر بما يفعله، ويرى أن مصر تحتاجه.
ورأى أن فترة حكم الإخوان للبلاد هى «فترة سوداء من عمر مصر»، ودائمًا ما كان ضدهم، لأنه كان يعلم ما يخبئونه فى جعبتهم ضد الوطن. وأثناء اعتصام المثقفين أمام وزارة الثقافة فى تلك الفترة، أطلقت عليه الجماعة الكثير من الشائعات، منها أنه كاتب أوبريت «اخترناه» وغيره الكثير من التدليس، وتلقى التهديدات والشتائم على هاتفه، من قِبل من ينتمون للجماعة الإرهابية، لكنه لم يرضخ لأحد وظل يفعل ما يفعله لإيمانه به.
■ ماذا عن أيام سيد حجاب الأخيرة وتجربته مع المرض؟
- لم يصل سيد حجاب أبدًا لمرحلة مؤلمة من المرض، لكنه فى اليوم الأخير نام كأنه فى غيبوبة، وكان حين يفيق يذكر لى أهم ٥ ملحنين فى الغرب مثلًا، وفى المرة التى تليها يذكر لى أهم المخرجين الأجانب الذين كان يحبهم، وغيرها من هذه الأمور التى كانت تعلن صراحة أن ذاكرته متوهجة ومنتعشة بشكل حقيقى.
■ فى تأبينه ذكر الدكتور محمد عبدالمطلب أن «حجاب» قال له: «اقتربت من النهاية يا صديقى».. هل تظنين أنه علم باقتراب الأجل ولم يحب أن يخبرك بذلك؟
- بالفعل سمعت هذه الحكاية من الدكتور محمد عبدالمطلب، أثناء التأبين بالمجلس الأعلى للثقافة، والحقيقة لا أكتم أننى استغربت جدًا هذه العبارة، فلك أن تعرف أن «حجاب» كان بالنسبة لى كالكتاب المفتوح، أعرف عنه كل شىء وأستطيع أن أتكلم بلسانه، لذلك استغربت أن يكون قد أخبر أحدًا بذلك. بالطبع لا أشكك فى كلام الدكتور عبدالمطلب، لكنى بالفعل اندهشت، هل تنبأ «حجاب» بموته لأصدقائه ولم يخبرنى؟.. هذا أمر ممكن بالطبع. أتعرف أن «حجاب» لم يشتر مدفنًا؟ وأنه دفن فى مقابر شقيقه فى القاهرة، رغم أن عائلته تملك مدفنًا كبيرًا، فالأمر لم يكن يعنى له شيئًا، فلم يفكر حتى بشراء مدفن خاص له، ومن كلماته الشهيرة التى كنت أحفظها وأرددها معه كانت كلمة «هتعدى»، وما أعرفه أنه لا يخبئ أى شىء مهمًا بدا لى صغيرًا أو تافهًا، لذلك استغربت حكاية الدكتور محمد عبدالمطلب.
■ هل ترك الشاعر وصية؟
- لم يكن سيد حجاب يعرف أن الموت قادم، لذلك لا أعتبر أن ما قاله يعد وصية أو حتى جزءًا من وصيته، فلم تكن فكرة الموت تأخذ ولو حتى حيزًا بسيطًا من تفكيره وحديثنا، ودائمًا ما كان يقول: «سأكون أفضل».
وهناك حكاية ترجع للأيام الأولى التى التقيت فيها «حجاب» وبادلته المحبة، إذ قال لى ذات يوم ولم نكن قد تزوجنا بعد: «أنا نفسى تكونى آخر حاجة أقفل عليها عينيا»، وتحولت تلك الأمنية إلى حقيقة حين زرته آخر مرة فى المستشفى، إذ كانت آخر كلماته لى «إنت روحى»، وحينها تفاءلت خيرًا لأن الأطباء قالوا لى إنه بخير وبشرونى بأنه يتعافى وسيخرج قريبًا، لكن كانت تلك الكلمة هى آخر ما قال سيد حجاب.
■ ما آخر طلب لحجاب؟
- كان ذلك يوم الجمعة قبل ذهابى إلى المستشفى مباشرة، طلب منى كوب شاى وبسكويت، وشغلت موسيقى صوفية، راح يتمايل مع سماعها كأنه مجذوب فى حضرة «الدراويش»، وكان مثل ولى يدندن ودماغه تتمايل بانبساط حقيقى، وكان ينظر لى وسط تمايله ويبتسم، كان هائمًا وفرحًا ومنفتحًا على العالم، وكان راضيًا ولم يشكُ وكانت لديه ابتسامة لم تفارق شفتيه كأنه يتحدى التعب والوجع والألم ويعلن لهم أن هذا الجسد غير قابل للشكوى.
لو أن سيد حجاب يسمعك الآن.. فما الرسالة التى توجهينها إليه؟
- سأقول له «يا سيد أنت معى دائمًا، وسأقول من كلامه «يا شمس يا منورة غيبى وكفاية ضيك يا حبيبى وودى يا ليالى وجيبى ولا ألاقى زيك يا حبيبى عمرك يا دنيا ما تخلى بى طول ما هو ساكن فى قليبى عاشقاه وداب فى دباديبى مكتوبى هو ونصيبى».
ads