الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

أبوخنيجر يكشف لـ«الدستور» تفاصيل كتابه الجديد: أرصد حكاية الإنشاد من البداية للنهاية

الأربعاء 11/سبتمبر/2019 - 06:56 م
جريدة الدستور
إيهاب مصطفى
طباعة

المديح ينقرض تمامًا من جنوب مصر.. و«الدى جى» أخذ الأضواء بشكل كامل
نحتاج للتفكير فى الإنشاد بطريقة مختلفة تواكب التكنولوجيا والتطورات الحديثة


يستعد الكاتب والروائى الكبير أحمد أبوخنيجر لإصدار كتاب جديد يتناول فنون الإنشاد الدينى فى صعيد مصر، عن دار بتانة للنشر والتوزيع، بعد سنوات طويلة من متابعته تاريخ الإنشاد ورموزه، فى رحلة قابل خلالها مشاهير الإنشاد فى الصعيد مثل أحمد برين، وعبدالعظيم العطوانى، ومحمد العجوز، وعبدالنبى الرنان.
«الدستور» التقت الروائى فى حوار تحدث فيه عن الفنون الشعبية فى الصعيد، من بينها «الكف» والإنشاد الصوفى، وكشف خلاله عن ملامح الكتاب وكيف ينظر إلى مستقبل تلك الفنون، التى حذر من اندثارها، بسبب الخلل فى المنظومة الثقافية وعدم مواكبتها العصر.


■ تعمل على إعداد كتابك عن الإنشاد الدينى فى جنوب مصر.. كيف كانت استعداداتك؟
- استغرفت فترة كبيرة جدًا فى العمل على هذا الكتاب، وتخللتها فترات قدمت فيها كتابًا عن الصوفية نشر عام ١٩٩٧، وبعدها قدمت مجموعة حوارات غير متتابعة مع كبار المنشدين، وكان علىّ أن أقوم بالتقديم لفكرة الإنشاد وأنواعه وطبيعته، خاصة أننى استبعدت عدة أشياء يصعب رصدها، مثل الإنشاد الدينى المتعلق بالمتصوفة، وهنا أقصد الخدمات الصوفية التى تتعدد بتعدد الطرق.
ولا أقصد هنا الطرق الصوفية الخمس الكبرى، لأن هذه الطرق ينبثق منها ما يقرب من ٧٠ طريقة، وكل طريقة منها لديها أسلوبها المعين فى الإنشاد الدينى، الذى لا أستطيع أن أطلق عليه «شعبيًا»، لأن هناك فئة معينة تمارسه، بل أقصد بـ«الشعبى» الفن الذى يمارسه الجميع، كما يحدث فى المناسبات المختلفة كالحج والمولد النبوى والأفراح والطهور والزواج، والذى يأخذ صفة الشعبية لارتباطه بهذه المناسبات.
أيضا استبعدت الغناء الدينى للسيدات، وهو مرتبط بمناسبة الحج، لأنه لا توجد منشدات بالمعنى العام، ومنشدات الصوفية لسن منشدات بالمعنى الحقيقى، حتى إن رصد المرأة داخل ساحات الذكر قليل جدًا.
■ ما الآليات التى اعتمدت عليها فى حصر الإنشاد الدينى بجنوب مصر؟
- اعتمدت فى حصر الإنشاد على النماذج الأكثر حضورًا فى الذاكرة الشعبية، والأكثر تمثيلًا لها، وهذه النماذج تنقسم إلى ٣ أنواع هى: «أهل الدكة» وهم من الموالدية، و«أهل الحصيرة» وهم أهل الذكر و«منشدو البردة».
واخترت من «أهل الدكة» الشيخ أحمد برين والشيخ محمد العجوز، رغم وجود أسماء أخرى بالطبع، ولكن كل الذين ينشدون بخلاف هذين الاثنين يقومون بتقليدهما، كما أنهما كانا محظوظين بتوفر الفرص الجيدة أمامهما فى الظهور والانتشار، بينما لم تتوفر تلك الفرص لغيرهما، إذ يعتبر الثنائى أول من عاصر فكرة الكاسيت من المنشدين، وأسهمت الشرائط فى انتشار إنشادهما وتخطيهما قراهما الضيقة.
لم تقتصر فكرة الإنشاد الشعبى على المدح النبوى أو الإلهى أو التراتيل، التى تخص الله أو أهل البيت أو قصص الأولياء، بل إن «أبوبرين» مثلًا تخطاها إلى ما يسمى منظومة القيم الاجتماعية التى تتبناها الجماعة، ووضعها فى الإطار الشعبى وكان يقدم مواويل تمجد قيمهم.
ومن «أهل الذكر» اخترت ٢ من أشهرهم، هما الشيخ عبدالنبى الرنان، والشيخ «أبوالضوى» وفرقته الشهيرة «الرواجحية»، وللأسف لم أستطع إجراء حوار مع «أبوالضوى»، ولكننى حاورت خليفته فى قيادة الفرقة، وهو الشيخ «جايد»، ومن مادحى البردة اخترت الشيخ «العطوانى»، والتقيته فى حوار مطول قمت فيه بتحليل طريقته، ولماذا اختار بردة «البيضاوى» التى يغنيها عن غيرها.
■ هل الارتجال فى المديح صفة أصيلة فى المنشدين كما هو الحال عند «أبوبرين»؟
- أولا «أبوبرين» وتلميذه «العجوز» كانت لديهما صفة الارتجال، أما الباقون فلا يرتجلون. بمعنى أن «الرنان» مثلًا لم يكن يرتجل، بل كان ينشد ما يقولونه ولكن بطريقة أخرى، وتستطيع القول إن الشيخ «أبوبرين» هو الوحيد الذى كان يبنى، وغالبًا هذا البناء ستراه فى بعض الموضوعات التى تناولها الثنائى خلال غنائهما المشترك، مثل حفلتى «التحدى» و«السفينة» بينه وبين «العجوز»، وقمت بتحليل المقطع الأول فى شريط «السفينة»، لأنه ارتجالى أما الباقى فهو محفوظ ويتناول المديح النبوى.
وأيضا حللت الصراع والمنافسة بين «أبوبرين» ومريده «العجوز»، لأن هناك سمة غلبت على هذا الأمر، وهى أن «العجوز» كان يحاول أن يشق طريقه بالتطريب، أى أن يقوم بالارتجال وضم بعض الأغنيات من وحى الدور الذى يقوله، حتى يطرب السمّيعة، بينما «أبوبرين» كان يملك الحس التطريبى دون أى مجهود.
على سبيل المثال نجد «العجوز» يقول فى الموال المشهور «قعدت جمب حبيبى أكتب شعر بلعانى يا ريته يسمح ويبص مرة بلعانى»، فتجد أنه يكمل «لو بالعين انضر حبيبى لو بالعين». وهذه التطريبة كانت تلاقى استحسانًا كبيرًا، ليجنح بعدها «العجوز» لضم مقاطع لـ«أم كلثوم» وغيرها ضمن ما ينشده، خاصة أنه كان خلال تلك الفترة يحاول أن يتلمس خطاه أمام شيخه، حتى فى مقطع «السفينة» ارتجل «العجوز» ما يعنى أن الإنشاد سيندثر مع ضياع السفينة، وهى وجهة نظر متبصرة، لأنه رأى أن الزمن يتخلى عن هذا اللون، فعليه أن يجنح هو الآخر، لكن الشيخ المعلم رد عليه بأن «السفينة يا بنى على البر أهى راسية».
■ لماذا لم يتم توثيق فن الارتجال ورده إلى صاحبه خاصة مع سرقته بزعم أنه تراث شائع؟
- المشكلة ليست فى غناء تلك الأعمال، إنما فى سرقتها وتجاهل الإشارة إلى مصدرها، ولا أدرى ما الذى يخسره المنشد حين يقول إن مصدر العمل هو فلان، أو أن يلقى الضوء على السياقات التى خرج منها العمل والمعانى المقصودة منه، وبالتالى نستطيع فهم الرسائل التى حملها أصحابها، دون أن نهدرها بالسرقة، وفى النهاية نحن لا نملك جهة تعمل بشكل حقيقى لتحفظ حقوق الفنانين، لا اتحاد كتاب ولا غيره.
■ ما المواقف التى لا تنساها فى علاقتك مع الشيخ «أبوبرين»؟
- من المواقف التى أبهرتنى لـ«أبوبرين»، وأدركت من خلالها أنه يتمتع بحضور قوى جدًا، وسرعة بديهة لا تتخيلها، أتذكر كنا فى ليلة من الليالى معه، وكان ينشد موالًا مغلقًا، أى أن كل شطرة فيه تنتهى بالمفردة نفسها لكنه يقصد بها شيئًا آخر، وكنت أنا وصديقى نحاول أن نفكك ما يقول، وفى لحظة ارتفع صوت صاحبى، فقال «أبوبرين»: مين الناصح اللى قاعد تحت؟
وهناك موقف لن أنساه ما حييت، حين توفى إمبراطور الكف رشاد عبدالعال، وتلقى «أبوبرين» الخبر فى ليلة من ليالى إنشاده، وكنت حاضرًا، وأذكر أنها كانت فى نجع الحجر بالجعافرة، ولم يكن الشيخ يعرف بعد بخبر الوفاة، وأخبره أحدهم قبل بدء الحفل بقليل، فحزن حزنًا كبيرًا.
وخرج «أبوبرين» ليحيى الليلة، وبدأها كما هى عادته بتلاوة ربع من القرآن الكريم، وكان من المفترض بعد ذلك أن يحيى أهل النجع الذين استضافوه، لكنه لم يحى أحدًا، وبدأ فى الأدوار مباشرة، وكان أول ما قال دورين مسبعين، أى يتكونان من سبع شطرات، لخص فيها حكايته مع رشاد عبدالعال، وفى الدور الثانى قام بتعزية نفسه وأهل أسوان فى مصابهم الكبير، ودونت أنا هذين البيتين ولكن بالطبع لم أضمهما للكتاب.
■ كيف تنظر لمستقبل الإنشاد والمديح والكف وغيرها من فنون الصعيد؟
- المديح والإنشاد الدينى ينقرضان تمامًا من جنوب مصر، ولكن يظل الذكر موجودًا لفترة، لأنه متعلق بالطرق الصوفية والخلوات، ولكن حتى الأفراح فى الصعيد اتجهت للفرق الغنائية والـ«دى جى»، وأيضًا هناك عوامل أخرى بالتأكيد، مثل الهجوم الذى حدث على الإنشاد والفنون فى صعيد مصر من السلفيين، والهجرات المتوالية التى عادت علينا بأفكار غريبة لا تناسبنا.
وأستطيع القول إن الإنشاد سيذهب، والكف أيضًا، رغم أنه أطول عمرًا لأنه أكثر تعلقًا بالحياة الدنيوية، وستندثر تلك الفنون رغمًا عن الجميع، للكثير من الأسباب منها ارتفاع أجر المطرب وقلة الدخل، بينما سيظل الـ«دى جى» وحفلات القرآن هى المسيطرة على ليالى الجنوب مستقبلًا.
■ ذكرت الهجرات المتتالية التى عادت علينا بفكر جديد.. هل من الممكن أن توضح؟
- حدثت تلك الهجرات بداية من فترة السبعينيات والثمانينيات وما تلاهما، وهو نزوح للشباب الحامل للقيم من جميع المحافظات إلى الدول العربية وغيرها، ومع سيطرة فكرة العولمة، عادوا إلينا بقيم مختلفة على مستوى اللبس والتفكير والرؤية، فقاموا بتشويش المجموعة الأصغر وهى المجموعة التى من المفترض أنها تحمل هذه القيم مستقبلًا.
وهذا التحول أتبعه تحول آخر على مستوى التعبير. مثلًا لو أننا نعطى للأطفال حصة تذوق موسيقى وحصة مسرح، ما كنا لنجد ما يسمى «المهرجانات» فى الصعيد، ولكننا قمنا بمحو شىء، فحاولوا هم الحصول على بديل يستعيضون به عنه، وسحبنا القيم الإيجابية الموجودة وتخلينا عنها وعن دعمها وتطويرها، فكان لا بد من تغييرها بالنسبة لهم.
■ ألديك رؤية للحفاظ على هذا التراث؟
- فكرة الحفاظ معناها المتحف، والفن ابن الممارسة، ولا يكون فى المتاحف أبدًا، إن أردت وجوده فعليك أن تدعمه بشكل حقيقى وليس كما نبتذله حاليًا، ولكن كيف يتم ذلك والمنظومة الثقافية كلها فى وادٍ آخر، لذلك علينا أن نضبط المنظومة أولًا.
كما أنه حين لا تكون هناك قيم وسطية للدين تنقيه من الخرافات، فأنت تترك الساحة للمشعوذين والدجالين، لتخرج من عباءتهم أجيال من المتعصبين، ونحن بذلك نساعدهم، ففى حقيقة الأمر هم لن يكونوا موجودين لو ظلت المنظومة قائمة وموجودة ومتمسكة بقيمها.
وأشعر بأنه من المقصود أن نصل إلى هذه الحالة. فمثلًا منذ زمن كنت أقول إن فكرة الاحترافية فى الكف والإنشاد أدت إلى نوع من التنافس وظهور بعض الأصوات الجيدة، فى حين أنها بشكل ما قتلت بعض المنشدين، لأن القرى كانت مليئة بهم، والبعض تخلى عن منشدى بلده وجلب منشدين من أماكن أخرى، لذلك ففكرة التنافسية أنتجت نوعًا من النخبة. ورأى البعض أن الاحترافية خطر على هذه الفنون يؤدى إلى اندثارها، ولكن الحقيقى أن ذلك أدى لحفظ تراث الكف، برفع الشرائط على مواقع الإنترنت مثل «يوتيوب» و«ساوند كلاود»، ولكن الكثير من تلك الشرائط لم يتم تدوين كلماتها بعد، وهى مهمة باحثى التراث، حتى نستطيع إحياءه.
ونحتاج للتفكير فى الإنشاد بطريقة مختلفة تلبى الحاجة لدى من يسمعون الإنشاد، أى أنهم يحبونه بطريقة جديدة وحداثية تواكب التكنولوجيا وما يحدث الآن فى ظل تغير المنظومة، وبالتالى لا بد أن نواكب هذا، وأن يطور المنشد من أدائه، وهناك فرقة «السباعية» وهى أشهر فرقة فى مصر حاليًا، وتتبع هيئة قصور الثقافة وجابت العالم، والسؤال هنا كيف نحولهم من المُتحفية؟.
ads