الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
محمد العسيري
محمد العسيري

محمد العسيري يكتب: أم المريلة كحلى

الإثنين 09/سبتمبر/2019 - 07:44 م
طباعة
 لا حديث فى البيوت المصرية الآن إلا عن المدارس، فلم تهدأ خواطر طلبة أولى ثانوى الذين انتقلوا للصف الثانى عبر النظام الجديد، المعروف بنظام التابلت، حتى بدأت البيوت فى حسبة برما.. «بتاعة كل سنة».. المصاريف كام.. والباص كام.. و«اليونيفورم» كام.
مثلى مثل أى رجل مصرى عنده أطفال فى المدارس.. غالبًا، أنا بعمل من بنها، ولو لعدة أيام.. حتى تنتهى أم الأولاد من «الحسبة» لأستقبل «خبطة المرزبة».. مرة واحدة.. وليس على دفعات كما هو الحال مع أم الأولاد.
ورغم أن المصروفات شبه معروفة.. فإن حديثها مؤلم.. فبعض المدارس فاقت مصروفاتها «طلبة الجامعة».. لا أتحدث عن «الشويفات ومثيلاتها».
أتحدث عن تلك المدارس الخاصة الموجودة فى المناطق الشعبية.. وما حدش يقولى: طب ما توديهم تجريبى أو مدارس حكومية.. لأنكم تعرفون الإجابة مسبقًا.. وهوه فيه مكان فاضى فى المدارس دى أصلًا؟!
لقد دفعت حاجتنا لفصول جديدة الحكومة إلى التفكير خارج الصندوق، الذى وضعتها فيه سياسات حكومات سابقة- إلى فكرة «الفصول المتنقلة».. وأظن أننى قرأت أن مصانع الإنتاج الحربى بصدد توفير تلك الفصول خلال أيام.. أو أنها انتهت من تجهيزها بالفعل.
الكلام عن المصروفات.. وعدم السيطرة على أصحاب المدارس الخاصة بشكل كافٍ من قبل المديريات ومسئول الوزارة، وقيامهم برفع قيمة المصروفات بالمزاج- لا يتوقف عند الأرقام المحددة التى يطلبونها.. لكن يمتد إلى المدرسين الجيدين، الذين يتم تطفيشهم مع بداية كل موسم دراسى، لأن أصحاب المدارس يرفضون منحهم أى زيادات فى مرتباتهم.. أعرف أن بعضهم قرر أن يكون مرتب المدرس فى مدرسته ٦٠٠ جنيه فقط- آه والله ستمائة جنيه- واللى مش عاجبه يمشى.. ويجيب مكانه اثنين جداد.. وطبعًا الجديد لسه هيتمرّن.. والولاد مضطرون للتعامل مع الأمر على طريقة آبائهم- مش مهم مدرس الفصل.. ونشوف مدرس خصوصى.
فى العام الماضى وصلت الحصة فى المنزل إلى مائة وخمسين جنيهًا للمادة الواحدة.. الحصة الواحدة مدتها ساعتان.. وكذلك فى السناتر.. كل واحد وشوقه.. كل مدرس وسمعته.. وطبعًا ما فيش حد فيكم ما شافش إعلانات المدرسين فى الشوارع.. وتتذكرون قطعًا ذلك المدرس صاحب المرسيديس الفخمة والبودى جارد.. والذى يشرح فى ملعب كبير عبر ميكروفونات مجهزة.. وستيدج ولا عمرو دياب فى زمانه.
تغيرت المناهج للأفضل هذا أمر لا شك فيه.. وتغيرت طباعة الكتب للأحسن.. هذا أمر لا أجادل فيه أيضًا.. لكن النهاية واحدة.. فالمنهج والكتاب يحتاجان لمدرس ليشرح.. ولأن الجيدين قلة.. يتزاحم أولياء الأمور والأمهات منهم بالذات- لحجز المدرس الجيد.. وإذا ما ظفرت الأم بأحدهم فهى مطالبة من بداية شهر سبتمبر بوضع جداول ومواعيد وأرقام تسير البيوت على أساسها سبعة أشهر مقبلة- هى الشتا بحاله والربيع بحاله.. ودخل فيها رمضان كمان.
كل شىء فى حياتنا تقريبًا يتوقف على مواعيد المدارس والامتحانات.. من أول الباصات التى زادت أسعارها هذا العام بشكل غير معقول، وأصبحت الحجة «زيادة أسعار المحروقات».. والأمر نفسه بالنسبة للزى المدرسى، الذى يتفنن أصحاب المدارس فى ألوانه كل عام حسب المزاج.. وحسب العمولة التى يحصلون عليها من مصانع الأزياء المدرسية!
نص ساعة فقط فى منزلك.. وأنت تراقب تليفونات زوجتك مع صديقاتها من أمهات التلاميذ حول الأمر كفيل بأن يجعلك تهرب إلى أقرب مقهى.. لتتذكر أيام طفولتك.
كانت الأمور أبسط كثيرًا.. البنات «مريلة زرقا».. والولاد مريلة بيج.. مصنوعة من قماش مصرى بسيط.. وشنطة الكتب والكوتشى من «باتا غالبًا».. ما يبقى فى الذاكرة هو طابور الصباح.. وهذه الآلاف تتوافد عليه صفوفًا.. وموسيقى صلاح جاهين فى حنجرة محمد منير تطاردك.. «يا بنت يا أم المريلة كحلى».. ثم تفيق لتسأل نفسك: «طب هما ليه ما يوحدوش زى المدارس ويخلصونا».. ليه «خلطة الألوان العجيبة دى».
توحيد ألوان ونوع قماش الزى المدرسى ليس توفيرًا فى النفقات فقط.. لكنه أقرب إلى عدالة اجتماعية ننشدها.. إحساس المساواة الذى يسيطر على نفوس الأطفال ساعتها أفيد لقلوبهم الصغيرة وعقولهم الحائرة التى لا تستوعب.. لماذا توجد تلك الفروق فى هذا العالم.. وتدفعهم إلى أسئلة لا نجد- نحن الآباء- إجابات عنها غالبًا؟!
لقد مر العام وبدأنا.. وليست هناك فرصة لقرارات من هذا النوع هذا العام.. بدأ العام الدراسى بالفعل.. وسواء حصلت على سُلفة من مرتبك لتفى باحتياجات «الزى والكتب والمصاريف والباص والذى منه» أو لم تحصل بعد.. سواء استطعت ترتيب جدول مواعيدك على مقاس مواعيد المدرسين أم لا.. لقد «عدنا إلى المدرسة».. وكل شىء سيمُر.. ليبقى سؤال ابنى البكر يطاردنى:
طب إذا كان فى الآخر مش هنلاقى شغل.. وهنحتاج واسطة عشان نشتغل.. بتوجعوا دماغنا كل سنة بالحكاية دى ليه؟!
يبدو أنها «رحلة سيزيف» التى اعتدناها.. ولا طعم لحياتنا بدونها.. كل سنة وأنتو طيبين.. كل سنة والمرايل الكحلى بتزهزه فى شوارعنا.. وعلم مصر يرفرف فى «أحواش مدارسنا».. وطوابير صباحها تصدح بنشيد بلادى.
ads