الإثنين 09 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

كيف صنع توفيق الحكيم من "عبيط القرية" فيلسوفًا؟

الثلاثاء 03/سبتمبر/2019 - 12:52 م
توفيق الحكيم
توفيق الحكيم
يسرى أبو القاسم
طباعة
إذا أمعنت النظر فى روايات الأديب توفيق الحكيم، ستجده رجلا يتلبسه فيلسوف، يسكن دواخله فيملي عليه ما يكتبه، لذا لم يكن توفيق الحكيم مجرد حكاء، يسرد لك قصة حب تدغدغ مشاعرك، بل كان له بغية اسمى وأعلى من ذلك، وهى أن يرتقى بالقارئ فيخاطب عقله ويستفزه ليفكر فى عوالم أكبر وأوسع من عالمه الضيق.

لهذا لا تخلو رواية لتوفيق الحكيم من فيلسوف ينثر فكرا، قد يكون هو البطل وقد يكون شخصية ثانوية تعبر فى أحداث الرواية بسلاسة ويسر، لكنها تترك أثرًا واضحا فى النفس، وفى هذه السطور سنتطرق لثلاثة شخصيات ارتدت عباءة الفيلسوف فى ثلاث من روايات الحكيم، وأولى هذه الروايات هى "الرباط المقدس" لنقف أمام شخصية راهب الفكر الذى يشبه توفيق الحكيم الى حد التطابق، فى تكوينه النفسى والشكلى، وكأن الحكيم أراد أن يقول أنا هذا الرجل أو أنا هذا الفيلسوف. الذى تجده عابدا ناسكا فى محراب الفكر، لا يشغله ما يدور فى خلد غيره من الرغبة فى ملذات الحياة، ولم يكترث لمباهج الدنيا وزخارفها، يبدأ يومه بمطالعة الصحف، ثم ينكب على القراءة والكتابة. حياته فى تلك الغرفة المشحونة بالكتب الوافدة من مشارق الأرض ومغاربها لا شمس تسطع فى غرفته، فيقينه أن شمس الحقيقة تكمن بين جدران مكتبته فهى شمس لاتغيب.

أما ثانى هذه الشخصيات هو الروسى ( إيفانوفيتش) صديق محسن فى رواية "عصفور من الشرق"، الذى كان يرى أن فلاسفة الغرب وأفكارهم وماديتهم جحود للطبيعة.. وأن الروح أسمى بكثير وتلك الروح تسكن الشرق. فأنبياء الله الذين هدوا العالم إلى الله والحب كانوا من الشرق.. أما فلاسفة الغرب هدوا العالم إلى الماكينة والأرقام.

ومن عبقرية توفيق الحكيم أن جعل من عبيط القرية فيلسوفًا وهو "عصفور" فى "نائب فى الأرياف"، الذى تجده يركض أمامك فى دروب القرية بملابس ممزقة ويغنى. فتش عن النسوان.. تعرف سبب الأحزان.. ورمش عين الحبيبة يفرش على فدان.. هكذا ينشد الشيخ عصفور دوما.. ذاك الرجل الذى فقد عقله.. بعد أن غرقت حبيبته أمامه فى الرياح.. وصار بلا أنيس ولا ونيس إلا من عصاه ومسابحه وتمتماته.

ينتقل توفيق الحكيم من رواية الى رواية، بشخوص مختلفة. وأماكن متباعدة، ولكن يبقى الفيلسوف صامدًا فى سطوره، ليقول لك وأنت تمعن النظر إليه وهى يمسك بعصاه ويضبط قلنسوته، لا تتعجب فإن تحت القلنسوة فيلسوف.