الإثنين 09 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

يسري أبوالقاسم يكتب: الخروج من التابوت.. مصطفى محمود وكلمة السر

السبت 24/أغسطس/2019 - 01:05 م
جريدة الدستور
طباعة
لم تجذب توفيق الموظف بهيئة الأثار المصرية، أثناء زيارته للهند.. بصحبة المرشد السياحي كاكوما تلك القلعة الحمراء المهيبة ولا كل البنايات العتيقة، بل جذبه وخطف عقله ذلك الهندى العجوز الذى يفترش الملاءة على الأرض، ثم يعقد يديه على صدرة، ويغمض عينيه، ويتمتم بكلمات غير مفهومة، فيرتفع عن الأرض فيطير فى الهواء، متحديًا كل قوانين الطبيعة والمنطق.

ليقف توفيق مشدوها مذهولا من هول المفاجأة. فيشده كاكوما وينهاه عن متابعة هذا الرجل المشعوذ، الذى يلتف الناس من حوله.. ولكن توفيق يؤكد لصاحبه إنها معجزة حقيقية مكتملة الأركان.

فيقول كاكوما: هؤلاء المشعوذن هم سبب التخلف الذى نعيشه، لو كان هذا المشعوذ يملك من أمره شيئا لما ظل شحاذا لا يملك ثمن حذاءً أو جلبابًا يستره.

انصرف توفيق إلى الفندق لكن أمر العجوز لم ينصرف عن عقله وفكره، حتى التقى المرافق للوفد المصري، وهو رجل مثقف ووقور اسمه أمري خان.. فسأله عن العجوز الشحاذ الذى يطير فى الهواء، فقال أمرى خان: إنه ليس شحاذًا بل هو سليل عائلة غنية جدًا، تعلم فى انجلترا مع أبناء الملوك والأمراء، ثم حصل على الدكتوراه فى السوربون، لكنه ترك كل هذا إلى غاية أكبر وعاش فى الغابات يبحث عن الإرادة.. واسمه براهما واجيسوارا.. وهو صديقى. فانتفض توفيق وطلب من خان أن يصحبه إلى براهما الخارق، فقال خان: هل تحتمل ما ستراه ؟ فقال: نعم..

صعدا الجبل ليصلا إلى كهف يجلس فيه براهما وحيدًا، ولما فرغ من صلاته ثم سلّم عليهما وأعطاهما بعض البندق المملح، فأراد توفيق أن يشرب فصحبهما البراهما إلى بئر قريب، يملأون منه الجرّة.. ولما وصلوا البئر نزل البراهما درجات البئر درجة تلو الأخرى، حتى صار تحت الماء كاملا، مازال الرجل ينزل ومازال توفيق يصرخ فى صاحبه حتى ينقذ ذاك المجنون من الغرق، لكن خان لم يستجب ولم يكترث بل كان هادئا يضحك ويضحك.. وتوفيق ينظر إلى البراهما أسفل البئر حتى وجده يقعد ويصلي.. لمدة قاربت الساعة، ثم خرج ومعه جرعة الماء وكان شيئا خارقًا لم يحدث.. فقال توفيق لصاحبه: إن هذا الرجل يتحدى نواميس الكون ومفردات الطبيعة. ياسيدى إن ما أراه هو الجنون بعينه، فضحك البراهما وقال: بل معجزة العقل يا صديقى العقل يقدر. فقال توفيق: ولكنك تحطم قوانين العقل.. فقال البراهما: لم أحطم قوانين العقل بل مافعلته كان وفقا للقانون الأكبر، فصعود عصارة النخل إلى أعلى ضد قانون الجاذبية ولكنها تصعد.. وهذا ليس تحطيما لقانون الجاذبية بل يتفق مع قانون أعلى من قانون الجاذبية.. كل ما فى الأمر أنك لم تقرأ بما فيه الكفاية.

انتهت الرحلة وعاد توفيق محملا بما رآه فى الهند بل فى البراهما.. ثم عاد إلى عملة للتنقيب عن الأثار بجوار هرم خوفو ليكتشف مقبرة مسلوبة، لم يُبق اللصوص بها إلا رماح وسيوف، ومكحلة وأواني وورق بردي، وحبات قمح.. أخذ القليل منها ووضعه فى منديل، ثم دسّه فى الجاكيت.

كان المطر شديدا ترك الجاكيت فى البلكونه ليجف ثم بدأ يقرا فى البرديات، ربما يصل إلى شئ، كان فيها شيئا عن أمحوتب وفن التحنيط.. وبين اليقظة والنوم رأى أمحوتب يخبره بعملية التحنيط، وأنها شئ تافه لا يستحق كل هذه الضجّه، تفرّس وجه أمحوتب فإذا به وجه البراهما فسأله انت أمحوتب أم البراهما فقال أنا كلاهما.

كل المعلومات التى قالها أمحوتب أو البراهما كانت صحيحة.. نام توفيق لثلاثة أيام متصلة ثم خرج إلى البلكون لياتى بالجاكت، فوجد حبات القمح التى مر عليها 4 آلاف عام، قد خرج منها نبتًا جديدًا.. فسأل نفسه هل الحياة تخرج من الموت أم أنه لاموت، وأن الحياة دائمة، وأننا لا نموت بل نمر بمراحل حياتية مختلفة؟، وأن كلمة السر بداخلنا.. وأن متوسط عمر الإنسان هو اللانهاية ؟ ثم نظر إلى وجهه فى المرآه وانتظر الإجابة.
........................................
(القصة عن رواية "الخروج من التابوت" للدكتور مصطفى محمود)