الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
بسنت حسن
بسنت حسن

لبسناكم طرح

السبت 17/أغسطس/2019 - 07:21 م
طباعة
زحف الإرهاب على المدينة في إنفجارات معهد الأورام وقتله لأطفالنا ذكرني بعدة وقائع اعتبر بعضها إرهاصات وبعضها نتائج وسأبدأ بواقعة خروج منتخبنا الوطني.. منتخب - الركعات لا الركلات - من بطولة الأمم الأفريقية مهزومًا منذ فترة ليست ببعيدة وذكرتني تلك الواقعة أيضًا بوقائع عديدة أود استرجاعها معكم:
واقعة السيد مدحت وردة الشهيرة في السبعينات.. عندما قام البطل الرياضي في ذاك الزمان بتربية ذقنه فنسي تربية ابنه ورفع المصحف مكان الكأس وكانت النتيجة "ولد متحرش وخسارة منتخبنا الوطني".. وبالتالي لم يستفد دين مدحت وردة - وهو دين الأغلبية - نهائيًا من فعلته الاستعراضية تلك.. بل ولم تستفد اللعبة الرياضية التي سكبها وردة الأب بصبغة لا تناسبها.. تماما كما يخضب الملتحون ذقونهم باللون الأحمر ويخضب القتلة أرضنا بالدماء.. فالرياضة لا دين لها أي - ليست مع الدين أو ضده- وبعبارة أدق لا علاقة للرياضة بالدين من قريب أو بعيد ولا علاقة للرياضة أيضًا بعلاقة العابد بخالقه ولا بعدد ركعاته ولا بعدد الشعيرات التي تنبت في صدره كرجل أو وجهه كدليل أو رمز ديني حتى صارت اللحية شهادة للجودة والضمان بل وكأنها علامة تجارية مسجلة نفرز من خلالها ونعرف الرجل المتدين من غيره.
السيدة توكل كرمان والتي فازت بجائزة علمية دولية رفيعة عرفها بها الناس.. قامت عند وفاة السيد مرسي العياط بكتابة عبارة على حسابها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي تقول فيها «صلوا عليه وسلموا تسليما»
وكتب ربعاوي على صفحته التي تحمل ذاك الشعار المراوغ الذي اشتهر إعلاميًا بشعار رابعة ويظهر على هيئة الأصابع الأربعة السوداء في محاولة أكيدة وفاشلة للتضليل والابتزاز العاطفي والمتاجرة.. ليعلن شهادته الجديدة على النحو التالي فيكتب على صفحته ويقول: «من اليوم مرسي لم يعد رئيسنا بل هو نبينا أشهد أن لا إله إلا الله وأن مرسي رسول الله».. ومع تعاقب انتصارات محمد صلاح مع فريق ليفربول الانجليزي.. أنشد مشجعي الفريق الانجليز أغنية لـ«مو صلاح» يقول مقطع فيها «لو كان الإسلام هو ما جعلك تفوز وفزت لنا لانك مسلم فسأعتنق أنا أيضا الإسلام وسأصبح مسلمًا مثلك »
و خطورة المسألة هنا تكمن في خلط الدين والزج به في سياقات لا يجوز الزج به فيها ولا علاقة لها به.. فخلط الدين بالرياضة وبالسياسة وبشئون الحكم بل وبكل شيء وبكل تفصيلة - ولو هامشية - من تفاصيل حياتنا.. يجعل الحياة بكل ما فيها عند المتأثرين بتلك النعرات العنصرية مجرد بروفة موت كبرى وسرداب مظلم يودي بالجميع حتمًا للجحيم وتصبح حيواتنا جميعها مؤقتة ومحقرة وبالتالي تصبح الحياة قاسية وصعبة كئيبة نتمنى زوالها بأسرع وقت وننتظر نهايتها بفارغ الصبر.. وكلما انشغلنا بانتظار الموت وطلبه نسينا أن نعيش بل ونسينا كيف نعيش فتصبح الحياة عبئًا كبيرًا على النفس والروح وعيبًا كبيرًا يجب إصلاحه بالموت (الشهادة) ويصير حب الحياة عار وخيبة ونقيصة تجسدها تأويلاتهم لمفردتي «لعب ولهو» وأن متع الحياة الدنيا ما هي إلا غواية محرمة فيصبح الاستشهاد بقتل وتفجير الأبرياء هو الحل.
والخطير في ذلك الأمر هو وضع معيار فاسد للتفاضل.. وهو معيار عنصري عرقي يفرق ويباعد لا يقرب.. فلو صهيوني قاتل فاز لنا في لعبة ما يحق لنا أن نتصهين ونصبح كللنا صهاينة ولأن مخترع تكييف الهواء -و نحن نعاني الآن من حرارة الجو- مسيحي لابد لنا من أن نتنصر.
فما علاقة دين هذا أو ذاك بمنجزه أو حتى بجريمته؟.. هل نحن نقيم الفعل والسلوك أم الاعتقاد؟.. هل اعتقاد الفرد يجعل منه قدوةً أم أن سلوكه ومنهاجه هو القدوة؟.. هل تود اعتناق دين ما فقط لتفوق أحد المنتمين له؟.. أم أنك تحب أن تنتمي للمتفوقين أيًا كانت أسمائهم أو ألوانهم أو دياناتهم أو مشاربهم أو مسقط رؤوسهم؟
لقد ورثنا ألوان عيوننا وجلودنا وأسمائنا وبلداننا وأدياننا لكننا لم نرث الفشل أو النجاح الفشل يفوز به من يسعى إليه والنجاح يحظى به المجتهد الدؤوب ولم يكن يومًا حكرًا على أصحاب لون أو دين بعينه.. هل من فاز قد فاز لدينه أو لعروبته أم لنفسه ولفريقه واسم بلاده وربما لقارته؟
هل من يفوز عليه أن يحمل كتابه المقدس كما فعل وردة الأب؟.. وهل كتابه فيه ما يتعارض مع كأس البطولة؟ وما عيب الكأس؟ وما الضرر من البطولة؟ هل الفوز وحمل الكأس يضر أو ينتقص من اعتقاد أو درجة تدين حامله؟ استهداف النظام الحالي وتكفيره لأنه لا يعادي الفن ولا يعادي سفور الفنانات المتبرجات واستشهادهم بلقطة ظهرت فيها ممثلة مسنة تمسك في يدها بمسبحة حمراء.. فحبات المسبحة رمز للتدين عند هؤلاء يحظروه على من لا ترتدي غطاء الرأس.
ما قاله قاتل السادات للمراسل الأجنبي عندما سأله عن جدوى اغتيال رئيس مصر طالما لم تقم الدولة الإسلامية المرجوة والمبتغاه فاستشهد القاتل بعدد النساء المرتدين للطرح وغطاء الرأس في الشوارع كدليل له رمزيته وإشارة تؤكد على قيام الدولة الإسلامية هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى عندما يعاير قومٌ قومًا آخرين يقولون لهم -في سياق تلك المعيرة - ووفقًا للموروث الشعبي (لبسناكم طرح) فهل يود الفريق أي فريق.. الفوز وحمل الكأس؟ أم يريد ارتداء صليبه أو عمامة أجداده أو طاقية حاخامه أم يريد ارتداء الطرح؟
سؤال ليس على منتخبنا الوطني فقط الإجابة عليه فتلك الإجابة المنتظرة ستكون مقياسًا نقيس به كل شيء في حيواتنا ونعممه على مجالات وميادين شتى - جميعها وعلى ما يبدو - تود ارتداء الطرح أو تود أن ينتصر الإرهاب علينا في معركتنا الوجودية فيصير الإرهابي سيدًا علينا ويحق له عندئذٍ معايرتنا وأن يصيح فينا قائلًا (لبسناكم طرح ).
ads