-
الجمعة 13 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

تراوتمان

الإثنين 12/أغسطس/2019 - 06:04 م
طباعة

الأب بـ يبيع البيت، بعد ما شركة الأسمدة الكيماوية طردته، بـ يروحوا شقة تانية أصغر، وشغل تانى أقل، ومستوى معيشة أوطى. برنهارد كارل وكارل هاينز: طفلين، وأمهم وأبوهم، أسرة ألمانية بعد الحرب العالمية الأولى بـ خمس سنين، البلد كلها ضربها الكساد والذلة والمهانة، شعور عام بـ جرح الكرامة.
سنة ١٩٣٣، برنهارد كارل تراوتمان، الولد اللى بقى عنده ١٠ سنين، ما كانش بـ يشوف حاجة تدعو لـ البهجة، غير لمعة فى عين الأب والأم، لما هتلر يخطب.
حب هتلر، شاف فيه الأمل وبكرة، ألمانيا هـ تقوم من رقدتها، محدش هـ يقدر يفرض عليهم كلمته، اتملا قلبه بـ حب النازية، ما خدش نصيب كفاية من التعليم، اشتغل صبى ميكانيكى، إنما كل دا مش مهم.
البلد بـ تتقدم، الاقتصاد بـ يتحسن، الولد راح «شباب هتلر»، المنظمة التابعة لـ الحزب النازى، تطوع فى الخدمة، صدق بـ عنف كل دعايات الحزب، ما شافش أى مشكلة فى اعتقال عمه، الشيوعى، الخطر على البلد بـ أفكاره.
كره اليهود واحتقرهم أكتر من فيران البلاعات، كان بـ يهلل لـ أى انتهاكات تحصل فى حقهم:
من أول هدم البيوت لـ حد أفران الغاز، حس بـ علو الجنس الآرى على كل أجناس الأرض، حلم بـ اليوم اللى هـ يفرضوا فيه كلمتهم على العالم، كان «ألمانيا فوق الجميع» مش مجرد شعار، دا أهم من أى جملة فى الكتاب المقدس.
بعد سنين فى «شباب هتلر»، كان طبيعى يتنقل لـ الخطوة الأهم، وهو لسه عنده ١٧ سنة، يدخل الجيش، لما نقول الجيش الألمانى وقتها، سنة ١٩٤٠، فـ إحنا بـ نتكلم عن الحرب العالمية التانية، بـ نتكلم عن جبهات مفتوحة فى أكتر من بلد، وهو ما كانش فى أى حتة، دا كان رسميًا عضو فى «اللوفتفافه»، القوات الجوية، السلاح الوحيد من الجيش الألمانى، اللى دخل الأراضى البريطانية، وعمل فيها تخريبات وخساير.
كان جندى مظلات، اتنقل بين الجبهات، أكتر من عشرين مرة، الشظايا تعدى على بُعد ملليمترات من راسه، اتأسر مرة من السوفيت، وهرب، اتأسر تانى فى فرنسا، وهرب، اتأسر تالت ورابع، وهرب، فى الآخر زهق.
كفر بـ كل حاجة، بـ الحزب النازى وهتلر وألمانيا اللى فوق الجميع، بعد ما شاف عدد مش فاكره، من إعدامات جماعية وحفلات تعذيب، كره المحور وما قلش كرهه لـ الحلفاء ولـ اليهود، كره كل حاجة، وقرر إنه ما يهربش تانى.
طبعًا مش هـ يرجع لـ الوحدات الألمانية، هـ يقتلوه فورا. وقع فى أسر الإنجليز، كانت المرة الخامسة والأخيرة.
الإنجليز كانوا بـ يقسموا الأسرى لـ ٣ فئات، حسب درجة ارتباطهم بـ الفكر النازى، الأبيض لـ اللى عندهم قدر من كره النازية، الرمادى لـ العادى، الإسود لـ النازيين، هو كان تصنيفه فى قعر علبة الكحل الإسود، علشان تاريخه فى شباب هتلر ثم اللوفتفافه.
خلصت الحرب وألمانيا اتهزمت، وبريطانيا قالت: الأسرى الألمان هـ يفضلوا، علشان يصلحوا اللى دمروه. يعنى يشغلوهم بـ السخرة فى إعادة الإعمار.
بـ النسبة لـ برنهارد، غيروا له اسمه لـ اسم إنجليزى مقابل، بيرت، بيرت تراوتمان، وإمعانًا فى تهذيبه وإصلاحه، شغلوه سواق عند أستاذ جامعى يهودى، ما طاقش فى البداية الإهانة، ضرب الأستاذ، اتحبس، خرج من الحبس فى خدمة واحد يهودى تانى.
بس شوية شوية أفكاره بدأت تتغير، خلينا نقول تموت، ما بقاش عنده أفكار بديلة، ما بقاش عنده أفكار خالص، بقى مستعد لـ قبول أى حاجة، أى حاجة.
رفعوا عن الأسرى حظر الكلام مع الإنجليز، والاختلاط بيهم، حب بنت، عمل معاها علاقة جنسية، حاولوا يجبروه يتجوزها، إنما هو رفض وسابها، بعدين اتعرف على بنت تانية، مارجريت، هى دى اللى حبها واتجوزها وبقت دنيته الصغيرة.
فى وسط شغله بـ السخرة، كانوا بـ يعملوا لـ الأسرى منافسات رياضية، لعب ألعاب قوى، ولعب كرة قدم، كان مدافع، ثم فى مرة خلوه يقف حارس مرمى، هو مش حارس مرمى محترف، إنما جندى مظلات، كان بـ يعمل صدات مذهلة، كمان كان جرىء لـ حد الحماقة، كان بـ يرمى نفسه على أقدام المهاجمين، بـ يقفز قفزات مش محسوبة، بـ يخترق كل تكنيكات حراسة المرمى التقليدية، فـ كان حارس مرمى نموذجى. فى الوقت اللى بقى مسموح له يرجع ألمانيا، ييجى له عرض من نادى مش محترف، ومش معروف، اسمه «سانت هيلينز تاون» العرض كان بـ جنيه إسترلينى واحد فى الأسبوع، جنيه فقط لا غير، بس هو شاف الجنيه دا، أحسن من الرجوع لـ ألمانيا.
الحقيقة إنه بقاله فى إنجلترا حياة، حتى لو حياة مش اللى هى، إنما فى ألمانيا مفيش غير المجهول، لعب فى النادى المغمور، كان متوسط مشاهدى المباراة الواحدة، حوالى ٤٥٠ مشجع بـ يشتروا تذاكر، مع انضمام تراوتمان، وصداته العجيبة اللى مالهاش زى، بقى متوسط مشاهدى المباراة ست آلاف مشجع.
فى نهاية الموسم، قرر يروح يزور أهله فى مسقط راسه، بريمن بألمانيا، جماهير النادى زودوه بـ أكل وشرب كتير، وخمسين جنيه إسترلينى، (راتب سنة تقريبًا) وقالوا له اتبسط فى أجازتك.
كانوا عايزينه يرجع، وهو رجع، علشان يلاقى فى انتظاره عرض لا يصدق، مانشستر سيتى عايزه يلعب فى النادى، وافق طبعًا ومضى فورًا، بس اللى ما كانش عامل حسابه، إن جماهير النادى المغمور غير جماهير مانشستر سيتى.
أبواب الجحيم اتفتحت ضد النادى اللى قرر يتعاقد مع حارس نازى، ٦٠٠ لاعب راحوا الحرب، ٨٠ منهم ماتوا، وكتير أصيبوا إصابات عجزتهم، إزاى على نفس النجيلة، اللى كانوا بـ يلعبوا عليها، يقف لاعب كان فى اللوفتفافه؟
أساسًا، مانشستر سيتى تعاقد معاه، لـ سد الفراغ اللى سابه سويفت، حارس مرماهم معبود الجماهير، يعنى التلات خشبات اللى كان بـ يحرسهم سويفت، هـ يحرسهم واحد قتل عشرات البريطانيين.
رسايل غضب، مظاهرات، احتجاجات من كل شكل ولون، إنما إدارة النادى تجاهلت كل دا، وقررت استكمال التعاقد مع تراوتمان.
أول يوم ليه فى النادى، دخل وسط مئات الغاضبين، اللى اتجمعوا رافعين شعار النازية احتجاجًا على دخوله النادى، لكن سويفت نفسه كان فى ضهره، خده، دخل بيه أوضة اللبس، اللاعيبة كانوا بـ يتكلموا ويضحكوا، أول ما دخل سكتوا.
كانت دقايق صعبة جدا، كسرها إريك ستوود، جناح النادى ولاعبه المشهور، وكان جندى فى الجيش البريطانى، اتقدم ناحية تراوتمان، وقال له: الأوضه دى مفيهاش حروب أهلا بيك فى الفريق.
مبادرة إريك سرت وسط اللاعيبة، رحبوا بـ الوافد الجديد، ورجعوا يتكلموا ويضحكوا.
مباراة ورا مباراة ورا مباراة، بدأ المشجعين يخفوا هجومهم، ثم بدأ الهجوم يتحول لـ إعجاب مكسوف، ثم بقوا يشجعوه بـ الاسم.
أول مباراة ليه فى لندن، كانت قصاد فريق فولهام، وهو داخل المباراة كان هتاف «نازى» بـ يرج الاستاد، بس بعد أدائه فيها، كان الاستاد كله بـ يصقف له، هو علق على دا بعدين: الدرس اللى اتعلمته يوميها، إن الإنجليز بـ يحبوا كرة القدم، أكتر حتى من دمهم.
شالكه الألمانى طلبه، وقالوا ابننا أولى بينا، قدموا عرض لـ مانشستر سيتى، عرضوا فيه رقم ما، كان رد النادى الإنجليزى، بـ إنكم لازم تعرضوا عشرين ضعف الرقم دا، علشان نبدأ نفكر فيه.
عدت السنين، بقى تراوتمان معبود الجماهير فى مانشستر سيتى، موسم ١٩٥٥ وصلوا نهائى الكاس، بس خسروه، كان وقتها مفيش تبديلات، لو لاعب أصيب تلعب ناقص، أصيب منهم لاعب فى ماتش النهائى، ودا كان زمان معناه خسارة محققة.
إنما تراوتمان خد أفضل لاعب فى إنجلترا سنتها، أفضل لاعب مش أفضل حارس مرمى.
موسم ٥٦ وصلوا تانى نهائى الكاس، وقرروا إنهم مش ممكن يرجعوا من غيره، كان فاضل ١٧ دقيقة وهم متقدمين، عمل حركة أكروباتية من حركاته، وصف اللى حصل ساعتها بـ إنه زى تحطم طائرة، أصيب فى اللعبة، بس قرر يكمل الماتش مهما كان، مش هـ يسيب فريقه يلعب ناقص، وناقص مين؟ حارس المرمى.
كانوا مضغوطين نتيجة إنهم متقدمين، صد كذا كورة خطيرة، بس فى نهاية المباراة، لقى راسه ملوية، وفيه آلام رهيبة مش فاهمها، كسبوا الكاس، وراحوا استلموه من الملكة، وهى سألته: مال رقبتك؟ قال لها: مفيش.
بس كان فيه، كان فيه كسر فى فقرات العنق، الدكاترة اندهشوا إزاى ما ماتش، أو على الأقل جاله شلل كلى، فترات كبيرة قضاها فى الجبس، وفى البيت، لما قعد فى البيت، علاقته بـ مراته باظت.
كانوا خلفوا ابن اسمه جون، فى خناقة من خناقاتهم، خدت الواد ونزلت تتمشى بيه، خبطت الولد عربية ومات، اتهمته بـ إنه السبب فى قتل الولد، خلفوا ولدين مكانه، بس العلاقة كانت باظت.
فى واحدة من خناقاتهم، قامت من مكانها، ومدت إيديها علامة النازية، حس إنه مش بس خسر حياته الزوجية، حس إنه عايش فى كدبة كبيرة، ومحدش هـ ينسى أبدا أبدا إنه كان جندى نازى. كانت حياته الكروية انتهت، اشتغل بعدها فى الإدارة، بس كان بـ يتعمد يشتغل فى بلاد بره إنجلترا، اتكرم، خد ميداليات من الملكة وهو راجل عجوز، ولما قابلته، سألته إذا كانت رقبته لسه بـ توجعه.
إنما دا ما غيرش حاجة، اشترى بيت فى إسبانيا، قرر يتقاعد فيه، وعاش هناك فى بيته دا، لـ حد ما مات فيه.