الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
نرمين يسر
نرمين يسر

الفيل الأزرق.. سيرك فلليني ومرايا تاركوفيسكي ومشاهد ترانتينو الدموية

الأحد 04/أغسطس/2019 - 01:32 م
طباعة
يأتي فيلم "الفيل الأزرق" في جزئه الثاني كتجربة ثانية للكاتب أحمد مراد في كتابة السيناريو مباشرة للسينما بدون بناء أحداثه على رواية، كما فعل في فيلم "الأصليين" عام 2017.

كلتا التجربتين من إخراج مروان حامد، وهو المخرج نفسه الذي رافق مراد في الجزء الأول الذي تصدر كرواية من فئة الأعلى مبيعًا عام 2012، لتتحول بعدها بعامين إلى فيلم تصدّر موسم العيد وقتها.

الآن يعرض حامد فيلمه قبل الموسم المنتظر في تحد حميد وثقة متناهية في أن يحصد 22 مليون جنيه في أسبوع عرضه الأول؛ تاركًا وسط هذه الإيرادات سؤالا معلقا فى أذهان المشاهدين حول إمكانية صناعة جزء ثالث باستطاعته حل لغز نهاية الجزء الثاني، أم أنها نهاية مفتوحة تركها صناعه لخيالهم؟

يدور الفيلم هذه المرة حول فريدة- هند صبري- السيدة الجميلة التي تقبع في مستشفي الأمراض العقلية كسجينة في قضية بشعة قامت فيها بقتل ولديها وزوجها. تطلب فريدة من محبسها في عنبر 8 غرب الشهير رؤية الدكتور يحيي راشد- كريم عبد العزيز- مؤكدة أنها لن تتفوه بكلمة سوى في وجوده، فيضطر الدكتور أكرم- إياد نصار- إلى أن يقوم بالإذعان لرغبتها واستدعاء الدكتور يحيي من أحد البارات للتحقيق مع المتهمة، وذلك في غرفة العزل نفسها التي سكنها شريف الكردي- خالد الصاوي- في الجزء الأول من الفيلم.

ويتضح أن المريضة تربطها علاقة تحدي نسوي مع لبنى- نيللي كريم- زوجة الدكتور يحيي، هكذا تحذره بأن بعد ثلاث ليالٍ سوف يفقد أسرته عن طريق مقتل الولدين بواسطة زوجته، ومن ثم انتحارها. مع توالى الأحداث نكتشف أنه نفس الجن الذي تلبس شريف من قبل بسبب الوشم الغامض التي ترسمه ديجا- شيرين رضا- بغرض توافق الزوجين وممارسة حياتهما الطبيعية.

استكمالا لمرحلة الوحش التي لم تنته منذ القضاء الأول عليه، والتي تكررت للمرة الثانية في جولة جديدة من نوعية أفلام السيكودراما التي تميل إلى الرعب، وفيها ينتقل الجني من جسد شريف إلى جسد فريدة طالبًا السيطرة على مجموعة البشر التي اختارها ليعبر من خلالهم للجانب الآخر من العالم، ومن ثم يتخذ الفيلم منحنى نفسي يدور في مستشفى الأمراض العقلية لطرح مشاكل نفسية معقدة.

يحتوي الفيلم على عالم من الأحلام والأجواء الكابوسية التي أجاد المخرج مروان حامد رسمها بدقة وعناية، عالم من الألوان الزاهية ورقصات تتحرك بنعومة وانسيابية على موسيقى هشام نزيه التي صنعت من نفسها بطلا أساسيا من أبطال العمل؛ كما أن اختيار أجواء شرقية من أماكن للتصوير والموسيقى والرقصات والملابس، كان بمثابة لجوء موفق للثقافة الشرقية زاد من ثراء الصورة وروعتها، مثل الاستعانة بالأكروبات وحيوانات السيرك في أحد الأحلام التي تنتاب يحيي بعد تناوله لقرص الهلوسة، واستخدام الزجاج العاكس في صنع كادرات مميزة في غرفة العزل ذات الجدران ناصعة البياض.

كما نجحت كاميرا أحمد المرسي في رصد وإبراز ملامح الضغوط النفسية التي يتعرض لها الممثلون وعكسها على الشاشة، عن طريق التنوع بين اللقطات القريبة والمتوسطة، وتوفيق كبير في التجول بين جنبات الأحلام التي تعد أهم مشاهد تميز العمل السينمائي؛ كذلك هناك توفيق رائع من المونتير أحمد حافظ في إجادة قطع اللقطات الحادة كالصدمة واللقطات الانسيابية تستكمل نظيرتها بدون الشعور بالزمن الفارق وكأنهما لقطة واحدة، لينتابك الشعور بأنه مشهد واحد مستمر، لكنه في الواقع مقطوع بحرفية شديدة، حيث يظهر ذلك جليًا في شخصيتين بين فريدة والغانية الغجرية تتحدثان إلى الدكتور يحيي في آخر مشاهد الفيلم.

أستطيع القول إن فيلم "الفيل الأزرق" في جزئه الثاني استخدم من فانتازيا السينما العالمية الكثير؛ لكي يضيفه إلى الأفلام المصرية التي تفتقد تقنية الـVisual وبرامج الكائنات، مثل تلك التي ظهرت في الفيلم من الفيل الأزرق الضخم والعنكبوت الذي يظهر للدكتور يحيي مهاجمًا، والدخان الذي ينفجر من أفواه الملبوسين من الجني، فقد نجحت التجربة بالفعل كخطوة مهمة في العنصر البصري، الذى تندرج تحته في هذه النقطة محاكاة مميزة وتجربة مثيرة في صنع أحلام ملونة يظهر فيها سيرك فلليني ومرايا تاركوفيسكي مع مشاهد دموية كترانتينو، لا أعني تقليد ولكنها إثبات بأن الفيلم يستطيع فعل ما قام به كبار المخرجين ليخرج بصورة سينمائية مبهرة.

شيء آخر تجب الإشارة إليه، وهو أداء هند صبري التي أتقنت لعب دور المريضة النفسية والغجرية الغانية والمرأة المستسلمة للموت؛ لأنه لم يعد هناك من تحيا من أجله بعد أن قتلت أسرتها، ربما يبدو أداء صبري في غرفة العزل متأثرًا بعض الشىء بممثلات هوليوود، لكنه يليق بها على كل حال.أما عن طاقة كريم عبد العزيز فمن الواضح أنها مقصودة أن يبدو منهكًا ومحبطًا وتائها غير مقرر مصيره، وذلك بعد انقطاع خمسة أعوام عن عمله في المستشفى وعن ممارسة المهنة والتفرغ للعمل في العقارات وغرقه في الحياة الروتينية حتى يأتي له الأمر المباشر من العالم الآخر بالعودة، بالمثل كانت نيللي كريم التي تبدو خالية من أي معني للحياة بعد استقرارها في منزل الزوجية مع يحيي ومواجهة الملل الزوجي والفتور الذي يغلف حياتهما.

في مشهد وحيد لخالد الصاوي الذي يعد وصلة الربط بين جزئي الفيلم في دور شريف الكردي، الذي انعزل عن العالم خائفًا وفي زيارة يحيي له، أدى الفنان المتمكن مشهدا مرعبا، حيث يقطع لسانه بأصابعه، كي يمتنع عن البوح بمأساة قد بُلي بها منذ تلبسته قوى الجن نائل ويبدو أنها لم تغادره، مشهد مأساوي من البكاء والرعب والرعشة والتلعثم والاستنجاد في وقت واحد ووقت لا يتعدي دقيقتين تشعر من خلالهما بمد يديك نحو الشاشة لمساعدته.
ads
ads