الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
ads
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فى تذكار انتقال أسقف شجاع ملتحف بالبساطة

الثلاثاء 30/يوليه/2019 - 08:30 م
طباعة
فى ٤ أغسطس تحل ذكرى الأسقف الرائع الأنبا أندراوس- أسقف دمياط- الذى رحل عن عالمنا فى عام ١٩٧٢، والذى كان رائعًا عندما كان طالبًا بهندسة الإسكندرية، رائعًا عندما كان مهندسًا ببلدية الإسكندرية، رائعًا عندما كان راهبًا بالبرية المصرية، ورائعًا عندما كان أسقفًا بدمياط. هذا الأسقف الرائع حفر اسمه على صخر، بينما آخرون نقشوا أسماءهم الوهمية على سطح الماء!! واتصافه بالشجاعة والبساطة يعودان إلى نقاوة قلبه، فنقى القلب يسلك ببساطة ولا يخشى كلمة الحق بمجاهرة.

وُلد الطفل نبيه لطفى عزيز موسى فى ١٠ أبريل ١٩٣٠ بحى جزيرة بدران بمنطقة شبرا بالقاهرة. وكان والده عزيز موسى يعمل بتفتيش المساحة بالقاهرة. فى عام ١٩٤٦ حصل الشاب نبيه لطفى على شهادة إتمام الدراسة الثانوية، حيث التحق بكلية الهندسة جامعة فاروق الأول «الإسكندرية حاليًا»، وفى يونيو ١٩٥٢ حصل على بكالوريوس الهندسة المدنية. فور تخرجه عمل مهندسًا ببلدية الإسكندرية «حاليًا محافظة الإسكندرية». فى تلك الأثناء طلب منه رؤساؤه تصميم نافورة مياه لتجميل ميدان حى باب شرق بالإسكندرية، وكان يستلزم أخذ موافقة الجهات الأثرية المسئولة بالإسكندرية، وهنا تعرف على والدى طيب الذكر الأستاذ بديع عبدالملك «١٩٠٨- ١٩٧٩»، خبير رسم الآثار المصرية بالمتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية الذى ساعده فى الحصول على التصاريح المناسبة. وفى زمن قياسى أمكنه تصميم النافورة، وحصل على مكافأة خاصة مقدارها ٣٠٠ جنيه، ووفاءً منه ظل يتذكر صداقته مع والدى، ولو أن الوفاء فى أيامنا هذه أصبح عملة نادرة ولا يوجد أحد يتذكر من وقفوا بجانبه فى أيام الشدة!! حدث بعد ذلك- فى فترة التسعينيات- أن تم نقل النافورة إلى ميدان «وابور المياه»، بسبب إقامة نفق بمنطقة باب شرق فى فترة تولى السيد المستشار إسماعيل الجوسقى منصب محافظ الإسكندرية.

فى عام ١٩٥٤، التحق المهندس نبيه لطفى بالكلية الإكليريكية بالإسكندرية التى افتتحها الأب متى المسكين عندما كان وكيلًا لبطريركية الإسكندرية، وكان نموذجًا رائعًا للراهب الملتزم فى إدارة شئون بطريركية الإسكندرية، وليس من السهل لأى أحد يدير شئون بطريركية الإسكندرية، ومن ثم توطدت العلاقة بين المهندس نبيه لطفى وبين الأب متى المسكين، كما توطدت الصداقة بينه وبين الأستاذ سامى كامل الذى سُيم بعد ذلك كاهنًا باسم القس بيشوى كامل فى ٣ ديسمبر ١٩٥٩، وكان أشهر كاهن فى الإسكندرية، وكان يقوم بالتدريس لهما بالكلية الإكليريكية د. منير شكرى- الطبيب السكندرى وأحد مؤسسى جمعية مار مينا للدراسات القبطية عام ١٩٤٥- وكان الأب متى المسكين طلب من د. منير شكرى أن يدرّس مادة تاريخ الكنيسة لطلاب الكلية الإكليريكية بالإسكندرية. فى ١٠ مارس ١٩٥٥ استقال من وظيفته وهو فى الخامسة والعشرين من عمره والتحق بدير السريان بوادى النطرون. وأمام إصراره على استكمال الطريق الرهبانى رضخ والده لرغبة ابنه وسجل فى سجل الزيارات بوادى النطرون الكلمات الآتية: «تعظم نفسى الرب وتبتهج روحى بالله مخلصى لأنه صنع بى عظائم.. سلمت ابنى المهندس نبيه لطفى إلى إدارة الدير لخدمة الرب وتكريس حياته، وأتمنى له حياة طاهرة نقية ونجاحًا عظيمًا وتوفيقًا من الله..». وترهبن فى نفس العام باسم الراهب «موسى السريانى» الذى أُطلق عليه اسم «موسى البسيط» لبساطته وتقواه الحقيقية. فى فترة رهبنته قام بتصميم استراحة جديدة بالدير تضم صالة كبيرة لخدمة زوار الدير، كما أنشأ صهريجًا كبيرًا لتخزين المياه. فى عام ١٩٦٠، عمل فى سكرتارية البابا كيرلس السادس، فكان مثالًا طيبًا للسكرتير الهادئ صاحب الفكر المستنير والمشورة الحسنة. انتقل بعد ذلك مع مجموعة من الرهبان- بقيادة الأب متى المسكين- إلى مغاير وادى الريان وظلوا بها تسعة أعوام حتى ٩ مايو ١٩٦٩ عندما استدعاهم البطريرك الحكيم البابا كيرلس السادس «١٩٥٩ - ١٩٧١» البطريرك ١١٦، وأسند إليهم الإقامة بدير أنبا مقار بوادى النطرون لتعميره معماريًا وروحيًا واستعادة مجده القديم. كان الأب موسى المقارى فى الدير شعلة من النشاط الرهبانى والفكر الهندسى الأصيل والبساطة المتناهية والطاعة للجميع. فى ديسمبر ١٩٦٩، بعد انتقال مطران الدقهلية فكر البابا كيرلس السادس فى رسامة الراهب متياس السريانى الذى هرب من سكرتارية البابا وتوجه إلى دير السريان ثم فكر البابا كيرلس السادس فى رسامة الأب متى المسكين على دمياط- بعد تقسيم الإيبارشية إلى إيبارشية دمياط وإيبارشية المنصورة- وتوسط الأب بولس بولس الكاهن النشط بإيبارشية البحيرة ووكيل المطرانية فى ذلك الوقت بسبب الصداقة القديمة له مع الأب متى المسكين، لكن الأب متى المسكين اعتذر عن الرسامة وأبلغ البابا كيرلس بأنه يمكنه رسامة أحد من تلاميذه الرهبان. فما كان من البابا كيرلس السادس إلا أن استدعى الأب موسى المقارى وأقامه أسقفًا على دمياط وتوابعها ودير القديسة دميانة بالبرارى باسم الأنبا أندراوس. فى فترة أسقفيته زار جميع كنائس الإيبارشية «٢٧ كنيسة فى ذلك الوقت» مرتين كل عام، وزار غالبية الأسر القبطية «حوالى ٣٠٠٠ أسرة فى ذلك الوقت»، وأعاد بناء وترميم خمس كنائس. كان فى كل مرة ينزل فيها مدينة الإسكندرية للصلاة بكنيسة السيدة العذراء بمحرم بك، يحرص فيها على مقابلة صديقه القديم الأستاذ بديع عبدالملك متذكرًا الصداقة التى نشأت بينهما عندما بدأ يعمل فى تصميم نافورة مياه منطقة باب شرق.

فى الانتخابات البطريركية عام ١٩٧١ كان هو الصوت الوحيد المجاهر بالحق فى ضرورة المحافظة على تقاليد الكنيسة وقوانينها، إذ إن قوانين الكنيسة تحتم ضرورة إقامة أسقف الإسكندرية من بين الآباء الرهبان، ومن ثم يأخذ لقب «بابا وبطريرك الإسكندرية»، ولا تجوز إقامته من بين المطارنة أو الأساقفة، ولم يخش التيارات المقاومة وظل متمسكًا بأمانته الكنسية حتى النفس الأخير. وكان فى هذا الموقف الشجاع صديقه الأب بيشوى كامل بالإسكندرية الذى أصدر نبذة من ٤ صفحات بعنوان «شعب الإسكندرية اليتيم» وكذلك مجلس ملى الإسكندرية الشجعان ومعهم د. منير شكرى، الذى عقد الكثير من الندوات وأصدر العديد من النبذات فى هذا الأمر الكنسى الخطير.

وبعد ١٠ أشهر من الانتخابات البابوية أصيب بحمى شوكية انتقل بعدها من هذا العالم فى الساعة الثانية من بعد ظهر الجمعة ٤ أغسطس ١٩٧٢، وهو يبلغ من العمر ٤٢ عامًا!!، حيث استراح من أتعابه، فكان انتقاله سببًا لحزن عارفى فضله وأمانته الكنسية، ودفن بدير القديسة دميانة بمنطقة البرارى. وكان من بين الذين حضروا الصلوات الجنائزية فى دير القديسة دميانة بمنطقة البرارى صديقه الحميم الأب بيشوى كامل الذى سجل فى نبذة عن القديسة دميانة قوله: «.. وبعد أن انتهينا من الصلاة ودعنا الأسقف العفيف الأنبا أندراوس». وفى نوفمبر ١٩٨١، حضر عندنا فى أمريكا الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات القبطية الذى حدثنا كثيرًا عن شجاعة الأنبا أندراوس.. الشجعان لا يموتون.
ads
ads

ads