رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

يوسف شاهين.. مسلم ولا مسيحي ولا كافر؟!


عندما حاولت أن أجمع بعض المعلومات السريعة عنه من خلال الشبكة العنكبوتية «النت».. استرعى انتباهى هذا الجدل الكبير الذى ظهر فجأة من خلال تعليقات المترددين على المواقع التى اهتمت بيوسف شاهين عند وفاته. وكان من أطرف التعليقات، ولكنها أيضًا أكثرها سخرية، وإشارة إلى ما وصل إليه «العقل» المصرى الآن، التعليقات حول «هوية» يوسف شاهين.
شاهدت مباراة غريبة.. بعض التعليقات ترى أن يوسف شاهين «مسلم»!! والبعض الآخر يُصر على أنه «مسيحى»، وثالث يرد بأنه «كافر» ولا يستحق كل هذا الاحتفاء. وتعليقات أخرى تتعرض للمسألة العرقية، البعض يرى أنه «مصرى» ويرد البعض الآخر بأنه «لبنانى»!!.
استلفت انتباهى هذا الجدل «العقيم»، ولكنه المهم بالنسبة للمؤرخ الذى يرصد التحولات الفكرية التى طرأت على المجتمع المصرى فى العقود الأخيرة، وتساءلت ماذا لو قرأ يوسف شاهين هذه التعليقات؟ وتخيلت وسيلة الاعتراض الإسكندرانية الشهيرة التى سيقوم بأدائها شاهين، تهكمًا على كل هذا الهراء.
الآن نتساءل عن هوية يوسف شاهين الدينية والعرقية؟! هذا سؤال غريب عن تكوين شاهين نفسه، وتكوين الفترة التاريخية التى عاشها، وحتى المدينة التى وُلد فيها، إذ وُلد يوسف شاهين فى ٢٥ يناير ١٩٢٦ فى مدينة الإسكندرية، هذه المدينة العريقة التى أراد الإسكندر الأكبر، الذى تُنسَب إليه، أن تكون عاصمة للثقافة «الهيلينستية»، أى تزاوج الحضارة الإغريقية والشرقية، فالإسكندرية دائمًا مدينة الحضارة والحريات.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يُولد يوسف شاهين «المصرى» فى مدينة الإسكندرية من أبوين ينتميان إلى عالم البحر المتوسط، أب من أصول كاثوليكية وأم من أصول يونانية.
وكما تعانقت الحضارات فى الإسكندرية، تعانقت أيضًا الأديان، إذ شهدت الإسكندرية منذ بداياتها وحتى وقت قريب تسامحًا دينيًا حقيقيًا، لم تعرفه ثقافات أخرى. وكان من الغريب أن يسأل أحد عن هويته الدينية، فالإسكندرية المنفتحة والمفتوحة على البحر، لا تعرف معنى الآخر، فالكل إسكندرانى. وكان هذا فى الحقيقة تعبيرًا عن المعنى الحقيقى لمفهوم «المصرى».
وُلِّد يوسف شاهين فى عام ١٩٢٦، ولم يكن غريبًا أن يُصدر طه حسين فى عام ١٩٣٨ كتابه الشهير «مستقبل الثقافة فى مصر»، هذا الكتاب المثير للجدل. ولعل أهم الفقرات تعبيرًا عن فكرة المتوسطية لدى طه حسين هى «إن العقل المصرى منذ عصوره الأولى عقل وإن تأثر بشىء فإنما يتأثر بالبحر المتوسط، وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها مع شعوب البحر المتوسط». كما يؤكد هذه الفكرة قائلًا: «إذا لم يكن بد من أن نتلمس أسرة للعقل المصرى ونُقرَّه فيها فهى أسرة الشعوب التى عاشت حول بحر الروم».
ويُوضح طه حسين فكرته حول «المتوسطية» كوحدة حضارية متجانسة وليست وحدة سياسية قائلًا: «ليس بين الشعوب التى نشأت حول بحر الروم المتوسط وتأثرت به فَرق عقلى أو ثقافى ما، وإنما هى ظروف السياسة والاقتصاد، تدور بين هذه الشعوب مواتيةً هذا الفريق، ومُعاديةً ذلك الفريق».
فى هذا الإطار التاريخى نستطيع تفَهُم ظاهرة يوسف شاهين، ابن الإسكندرية المنفتح بلا حدود على جميع الثقافات، والذى لا يعرف الآخر، والباحث عن الحرية، كما يبحث «البحار» عن حريته فى البحر وليس فى البر، المتمرد على التقاليد، لأنه هو نفسه مزيج، فكيف يقع فى أسر التقاليد والأعراف؟!
من هنا نظرتنا إلى يوسف شاهين على أنه ابن ثقافة البحر المتوسط. ولذلك يبحث شاهين منذ البداية عن «العالمية»، فحضارة البحر المتوسط وُصِّفت فى الثلاثينيات والأربعينيات، بأنها «الحضارة العالمية».
لكن شاهين مع تحولات عالم الحرب العالمية الثانية، ومع ظهور القوة العظمى الجديدة «أمريكا»، سيذهب ليبحث عن «العالمية» على شواطئ الأطلنطى، وليس على شواطئ المتوسط، وهو ما عالجه فى فيلمه «إسكندرية- نيويورك». وهنا يحدث الإخفاق والفشل، ليعود يوسف شاهين ليبحث عن العالمية فى عالمه الحقيقى «عالم البحر المتوسط»، ليصل إلى العالمية أيضًا على شواطئه فى «مهرجان كان»، هذه المدينة المُطِّلة على البحر المتوسط. ولا يحمل كلامنا هذا أى معنى لاغتراب يوسف شاهين عن «مصريته»، على العكس فمصرية شاهين فى الانتماء إلى عالم البحر المتوسط.
إن البُعد المتوسطى يُساعدنا فى تفسير كثير من ملامح ظاهرة يوسف شاهين، فالإنتاج المشترك هو مع الجزائر وفرنسا، وحملة بونابرت الاستعمارية بها جوانب حضارية ثقافية، وثقافة الحب أفضل من ثقافة الكُره.
وفى التسعينيات ذروة التطرف الدينى والنعرات القومية يُخرِج لنا يوسف شاهين فيلمه المهم «المصير»، الذى يكتسب أهميته فى الحقيقة من ضرب المثل بحضارة الأندلس، وثقافة التنوير والتسامح، الأندلس التى جمعت الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام معًا، الأندلس التى كانت بمثابة جسر الحضارة عبر البحر المتوسط بين الشرق والغرب.
ونجد الشىء نفسه فى رباعية شاهين عن سيرة حياته، فالبداية هى الإسكندرية، التى هى حدوتة مصرية وعالمية أيضًا. وينتصر يوسف شاهين، ابن ثقافة البحر المتوسط لشخصية «البحار» فى فيلمه المهم «الاختيار»، ليُثبِت زيف التقاليد وما نُسميه أعرافًا، ليبقى لنا فى النهاية يوسف شاهين «البحار» فى عالم البحر المتوسط.