الأربعاء 16 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حمدى عبدالتواب يكتب: عبدالناصر وصلاح ولعنات المصريين


"ما هتف المصريون لأحد.. إلا وهتفوا ضده".. قاعدة تتبادر إلى ذهني عقب كل حدث في بلادنا، أترقب ردود الفعل وأرصد اتجاهات الآراء فأجدها كلها تسير في نفس المسار "إعجاب.. إطراء.. مغالاة في التمجيد ثم انقلاب على الآراء وكيل الاتهامات".

ربما لم تكن تلك الظاهرة واضحة قبل 2010، إلا أن الأمر أصبح جليا للأعين بعد ثورة يناير بفعل تزايد اهتمام المصريين بإبداء آرائهم في الأحداث الجارية، حتى التي لا يعلموا عن تفاصيلها شيئا.

وقائع كثيرة كانت شاهدة على هذه الظاهرة، كان آخرها ذلك الجدل المرير الذى خاضه المصريون على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل لحد الخناق والقطيعة، حول لاعب المنتخب الوطني محمد صلاح، والزعيم الراحل جمال عبدالناصر.
ورغم الاختلاف الكبير بين صلاح وعبدالناصر في طبيعة دورهما والفئات المهتمة بإسهاماتهما إلا أن التناول كان واحدا، لدرجة أن البعض استخدام إسقاطات ذكرى النكسة على خروج المنتخب من كأس الأمم الأفريقية، جامعين بين الاثنين تحت لقب "المهزوم".

ودخل محبو الكرة في مشاجرات حول نجم الدوري الإنجليزي ودار الشد والجذب حول التحولات التي طرأت على شخصيته، وطالته الاتهامات بالغرور والتعالى حتى وصل الأمر إلى أنه نسى أصله وأنه أصبح لا يهتم إلا بجمع الأموال وغيرها من الاتهامات الشنيعة لصلاح الذي كان قبل أيام قليلة محط اهتمام المصريين ورمزا لعنفوان الإنسان المصري ومثالا لقدرته على النجاح وصنع المستحيل، بفعل ما حققه من إنجازات وعلى رأسها اقتحامه للقائمة القصيرة لأفضل لاعبي العالم.

الأمر نفسه دار حول الزعيم، واختصرت ذكرى ثورة يوليو في تقييم حقبته، وسط اتهامات عديدة أبرزها العنجهية والديكتاتورية، دون الالتفات للحدث الرئيسى وهو الثورة وانعكاس تداعياتها على الأحداث فى مصر، أو التعرض للمشروع الأساسي لحكمه وهو بناء منظومة العدالة الاجتماعية.

"ما هتف المصريون لأحد.. إلا وهتفوا ضده" ليس عيبا فى المصريين، بل أنه مجرد عرض للعيب الأخطر فى الشخصية المصرية وهو العاطفة الزائدة فى التعامل مع الأمور، الإصرار على شخصنة الأحداث، فالمصريون لا يتفاعلون مع الحدث إلا من خلال بطله، حاسبين عليه عدد الأنفس، راصدين كل طرفة عين له، منفتحين على كل كلمة ينطق بها واضعين إياه فى مكانة "السوبر مان"، رافضين التعامل معه كإنسان يخطئ ويصيب، لتفتر المشاعر بعد فترة، ويتفرغوا لنقد تصرفاته البشرية.

عبدالناصر وصلاح ليسا إلا نموذجا لأزمة تتفاقم وتسيطر على رؤيتنا لكل أحداث مصر الخاضعة للتفسير وفق الأهواء ومعايير الاستلطاف، التى وضع كل شخصيات مصر التاريخية على ميزانها وأحاطت بهم الآراء والصفات المناقضة، دون تقييم حقيقى أو سرد موثق لأفعالهما.

فى الحقيقة إن عاطفة المصريين تظل الحاكم الأهم على الأحداث والأشخاص، فإن أحبوا أحدا صعدوا به إلى عنان السماء، وإن خسر رضاهم سقط إلى سابع أرض، وهو أمر حميد ومعبر عن قدرة المصريين، إلا أن توغله يفسد الأمور، ويكون سببا رئيسا فى تشويش الحقائق، خاصة أن العواطف متغيرة بمرور الوقت، وهو ما يجب الالتفات إليه والعمل على إبراز باقى المعايير وعلى رأسها الأرقام والظروف الوقتية المصاحبة للأحداث، فليس بـ"الهتاف" فقط يكتب التاريخ.