الجمعة 06 ديسمبر 2019 الموافق 09 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

الإسرائيليون الدواعش

الجمعة 19/يوليه/2019 - 09:02 م
طباعة

من مطار بن جوريون، غادر «سياف» تل أبيب إلى إسطنبول، ومنها إلى «أورفة» على الحدود السورية التركية، ليعبرها فى اليوم التالى باتجاه مدينة «تل أبيض» التى كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش»، وعلى الفور تم إخضاعه لدورة شرعية وتدريب عسكرى، والتحق بالتنظيم.
سياف شريف داود «٢٩ سنة» من قرية كفرا برا، الفلسطينية المحتلة، ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وهو أحد أعضاء التنظيم الذين تعتقلهم القوات الكردية، منذ بضعة أشهر فى أقصى شمال غربى سوريا. وهناك، وفى مقر أمنى داخل مدينة الحسكة، أجرى معه فريق تابع هيئة الإذاعة البريطانية، BBC، حوارًا لطيفًا، نفى فيه المذكور أن يكون قد وقع تحت تأثير أى طرف لاتخاذ قراره بالذهاب إلى سوريا، فى بداية ٢٠١٥، زاعمًا أن الدافع كان الدفاع عن النساء والأطفال السوريين، وليس للانضمام لتنظيم «داعش» الذى كان، وقتها، فى أوج قوته.
فريق BBC انتقل إلى مسقط رأس المذكور، ونقل عن شقيقه حذيفة أنه كان تحت تأثير ضغوط كبيرة قبل أن يقرر المغادرة إلى سوريا. وأكد أنه كان يعيش حياة طبيعية كأى شاب عربى فى إسرائيل، وانه كان مدمنًا على المخدرات وخضع لعلاج فى مكان مغلق امتد لنحو عام أدى لتغيرات كبيرة فى شخصيته. وطبقًا لما ذكره حذيفة فإن العائلة حين عرفت بأن «سياف» على قيد الحياة، كلفت محاميًا إسرائيليًا، لإقناع السلطات الإسرائيلية بإعادته من سوريا، لأن «هناك خطرًا على حياته إن تم تسليمه للقوات الحكومية السورية أو فصائل الحشد الشعبى أو الجيش العراقى». وطالب «حذيفة» بتطبيق القانون على شقيقه باعتباره مواطنًا إسرائيليًا.
التقرير المصوَّر، أوضح أن عشرات من عرب إسرائيل، بينهم نساء، التحقوا بالتنظيم. وأن «‫الدافع وراء انضمام هؤلاء للتنظيم لم يكن دينيًا فى غالبية الأحيان»، كما «لم يكن لأسباب وطنية كما لو كانوا يريدون القتال ضد إسرائيل أو الصهيونية»، كما قال ليور أكيرمان، المسئول السابق فى جهاز الأمن الإسرائيلى «شين بيت»، الذى أكد أن نحو سبعين شخصًا، فقط، من عرب إسرائيل غادروا للقتال مع «داعش» خلال السنوات الماضية، عاد منهم نحو خمسين، وتم سجنهم بعد محاكمتهم.
نصف كلام أكيرمان الأول صحيح، ونصفه الآخر يخالف الواقع. وغير ضآلة الرقم، فإن غالبية من عادوا تم إطلاق سراحهم بعد اعتقالهم لفترة وجيزة. كما أن عودتهم، فى ذاتها تُعد لغزًا، إذ إن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، حين طالب الدول الأوروبية، فى فبراير الماضى، باستعادة الدواعش الذين يحملون جنسيتها وتقديمهم للمحاكمة، ذكرت وسائل إعلام عبرية، بينها موقع «واللا»، أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية، رفعت تقريرًا إلى هيئة الأركان العامة، أعربت فيه عن قلقها من عودة مقاتلى «داعش» إلى بلادهم، بزعم أنهم سيحاولون شن هجمات ضد أهداف إسرائيلية. غير أنك ستعرف من تقرير BBC أن أعضاء بالكنيست وشخصيات إسرائيلية نافذة لعبوا دورًا فى ترتيب عودة من التحقوا بالتنظيم.
أما نصف الكلام الصحيح، الخاص بالدوافع، فيؤكده أن تنظيم «داعش» لم يكن له أن نشاط فى الأراضى العربية المحتلة. وطوال السنوات الثلاث التى كان مسيطرًا خلالها على منطقة حدودية محاذية للحدود مع الجولان السورى المحتل، لم يقم مقاتلوه بأى محاولات لاستهداف القوات الإسرائيلية. وطبقًا لتفسير «أكيرمان»، أو مزاعمه، فإن هذا الأمر لم يشكل أولوية للتنظيم، لأنهم «حددوا منذ البداية أجنداتهم لتدمير دول مسلمة، وبعد إنجاز هذا الهدف يتم التفرغ لقتال إسرائيل»، لأن «الخطر الأهم والأكبر بالنسبة لهم هم الكفار أو المسلمون العلمانيون».
التفسير الأرجح، أو السبب الأكثر منطقية، ستجده فى العلاقات القوية والوثيقة التى ربطت تنظيم «داعش» بالسلطات التركية، القطرية، البريطانية، الأمريكية، والإسرائيلية. ويكفى أن تعود، مثلًا، إلى اعترافات عصام الهنا، المعروف باسم أبومنصور المغربى، القيادى فى تنظيم «داعش»، أمام القضاء العراقى، التى أكد فيها أن مقاتلى «داعش» تلقوا أموالًا منها، وأنه قام بالتنسيق معها لعلاج المصابين داخل مستشفيات إسرائيلية. كما ستجد أيضًا اعترافات لحمد بن جاسم، رئيس الوزراء القطرى السابق، بأن إمارته دعمت جماعات إرهابية فى سوريا، عبر تركيا، بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف أخرى.
شواهد كثيرة تؤكد أن سلطات الدول السابق ذكرها، والسلطات الإسرائيلية، تحديدًا، لم تتوقف عن دعم «داعش»، وغيره من التنظيمات الإرهابية، بالمال والسلاح. وعليه، نعتقد أنك غالبًا ستضحك كثيرًا حين ترى «سياف» فى الدقيقة الأخيرة من تقرير BBC، الدقيقة الحادية والعشرين، يتمنى العودة إلى إسرائيل بعد هذه التجربة الكارثية التى مر بها. ولو لم يضحكك ذلك، فإنك ستضحك قطعًا حين تجده يقول إن «إسرائيل بلد ديمقراطى يحترم حقوق الإنسان»!.