الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

«30 يونيو» والانتماء الوطنى

الخميس 04/يوليه/2019 - 08:34 م
طباعة

لقد أصاب الدكتور جمال حمدان فى رؤيته عندما قال: إن الشعب المصرى هو من أكثر الشعوب تجانسًا ووحدة فى الأصول الجنسية والتكوين البشرى
أعرب البعض عن غضبه عندما غنى مطربنا الوطنى الرائع «على الحجار»، أغنيته الشهيرة، التى تفضح حالة عدم انتماء كتائب الشر، أعضاء خلايا الخراب الفاعلة والنائمة والمتوثبة والخادعة للوطن، فقال: «إنتو شعب وإحنا شعب».. ولمَ لا يغضب بعض أهالينا الطيبين بعد أن اعتادوا متابعة أحوال وطن احتفى بهم وعاملهم بكرم مدهش، مكنهم من امتلاك تلابيب وقواعد مؤسسات مهمة فى الدولة على الصعيد الاقتصادى والتعليمى والثقافى، حتى بات قرار حكمهم البلاد والعباد مطروحًا بدعوى أنهم فصيل سياسى وطنى؟!.
ونحن نحتفل بمناسبة العام السادس لثورة ٣٠ يونيو، أتذكر حالة الجدل التى شهدتها الساحة السياسية المصرية عقب تصريحات أدلى بها المرشد العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، وأيد فيها فرض جزية على الأقباط، ومنعهم من الانخراط فى المؤسسات العسكرية، للشك فى ولائهم للدولة فى حال اصطدامها بأعدائها من غير المسلمين، وهو الأمر الذى يعد ضربًا فى الصميم لمفهوم المواطنة، الذى يتمتع بموجبه الفرد بكل الحقوق، ويتحمل كل الالتزامات التى تتضمنها مواثيق وقوانين المجتمع.
ورغم ردود الأفعال الهائلة، سواء الرسمية أو غير الرسمية من جانب أهل الفكر والرأى فى حينها، والتى كشفت عن تقدير رائع لخطورة النيل من مكونات وأسس الوحدة الوطنية المصرية، حيث كشفت عن وجود التباس فى رؤية وتفهم أبعاد المواطنة الكاملة للأقباط وفق التشبث بمفاهيم قديمة لا تعبر عن الخصوصية المصرية.
لا شك أن المدخل الصحيح لفهم المستقبل السياسى للأقباط، قد ارتبط بقضية الهوية وما تبعها من إشكاليات للثقافة السياسية المصرية، وكذلك علاقة السلطة بمؤسسات المجتمع، وكيفية تفاعلها مع بعض الظواهر السلبية التى أفرزتها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى مرت بها مصر منذ بناء الدولة الحديثة فى أوائل القرن التاسع عشر، ولعل أخطرها ظهور جماعات العنف السياسى المناوئة للسلطة، وتبعات وتداعيات ذلك على استقرار وضع الأقباط فى مصر ودورهم الوطنى.
لقد أصاب الدكتور جمال حمدان فى رؤيته عندما قال: إن الشعب المصرى هو من أكثر الشعوب تجانسًا ووحدة فى الأصول الجنسية والتكوين البشرى، وأقربها إلى فكرة الأمة المثالية، فالمسلمون والأقباط كما قال عباس العقاد سواء فى تكوين السلالة القومية ولا فرق بين هؤلاء وأولئك فى الأصالة والقدم عند الانتساب إلى هذه البلاد، فوحدة الجنس والأصل أقدم من كل دين، بل إن عميد الاحتلال الإنجليزى فى مصر اللورد كرومر، قال فى كتابه «مصر الحديثة» إن «خبرتى الخاصة بالمصريين تجعلنى أقرر أن الفرق الوحيد بين القبطى والمسلم هو أن الأول يعبد الله فى كنيسة، فى حين أن الثانى يعبد الله فى مسجد».
وهذه قصة طريفة، وهى فى الوقت نفسه قصة واقعية عميقة فى معناها ومغزاها، يرويها لنا أستاذنا الجليل الدكتور شوقى ضيف فى كتابه الجميل «معى»، والذى سجل فيه سيرته الذاتية، وقد وقعت هذه القصة سنة ١٩٣٠، أى بعد وفاة سعد زغلول بثلاث سنوات، فقد توفى الزعيم سنة ١٩٢٧. يقول الدكتور شوقى ضيف: سألت امرأة ريفية زوجها بعد أن عاد من الانتخابات.. انتخبت سعد زغلول أم عدلى يكن؟
وكأنما كان قد استقر فى أذهان بعض أهل القرى الريفية، بأن من يذهب إلى الانتخابات إما أن ينتخب سعد زغلول برغم وفاته، وإما أن ينتخب عدلى برغم اعتزاله العمل السياسى، وأجاب الرجل زوجته مازحًا أو غير مازح: انتخبت عدلى، وفوجئ الزوج بزوجته تستر وجهها من دونه وتقول له: لقد أصبحت محرمة عليك ولم تعد زوجى، وعبثًا حاول الزوج أن يصحح لزوجته القروية فكرتها، فقد ظلت تجادله طويلًا، معتقدة أنها أصبحت مطلقة ومحرمة عليه، ولما أعياه إقناعها، خرج فبحث عن مأذون القرية حتى وجده وأتاها به، فأقنعها بخطئها وخطأ ما ظنته من مفارقة زوجها لدينه.
ويعلق الدكتور شوقى ضيف على هذه الواقعة التى حدثت فى قريته، فيقول: «لعل فى ذلك ما يصور من بعض الوجوه، كيف أن الانتماء لسعد زغلول قد تحول فى نفوس بعض أهالى الريف البسطاء، حتى ظن بعضهم أن هذا الانتماء هو جزء من الدين الحنيف على نحو ما ظنت تلك المرأة الريفية الساذجة».