الخميس 02 أبريل 2020 الموافق 09 شعبان 1441

عبدالحكيم القاسم

السبت 29/يونيو/2019 - 06:27 م
جريدة الدستور
طباعة

لا تزال كلمات أبيه تعاوده بين آن وآن: هذه الدار ريحها ثقيل.... تعاوده هذه الكلمات فيتذكر دارهم فى القرية. كان بابها الكبير يفتح ناحية الشرق، على الشارع الذى يدور بالناحية.
وهو شارع نشط بالعابرين الغرباء. وعليه فإن الباب إذا فتح فض ستر الدار. لذلك بقى فى غالب الأمر مغلقًا ليحبس خلفه فى الباحة الصغيرة هواء ثقيلًا.
وفى العصارى- حينما يخرج الناس إلى الظلال المنكسرة أمام أبواب الدور- كان بابهم يظل مردودًا ابتغاء الستر، وهذا الباب، حتى لو فتح، ما خلى إلى وسط الدار نسمة عصرية. فهو مفتوح على الشرق. وهذه النسائم إنما تأتى من الغرب، أو من الجهة البحرية الغربية.
وعليه فإنه فى هذه الأيام كان يرى أمه وأخواته وزوجة أبيه وزوجة أخيه دائرات فى الدار، مخبوطات بالزمتة دائخات من الحر. تجلس من تجلس على عتبة أو تأوى إلى غرفة لكنهن جميعا مخبوصات العيون كسيرات.
وكان «مسعد» الكلب الأسود الكبير يتمدد فى وسط الدار، لاهثًا متدلى اللسان سائل اللعاب. وإذا كانت الباحة- حيث الكانون ومسقاة الفراخ- عارية من السقف، فإن الشمس كانت مسلطة عليها، خشبات سياج السلم- الدائر حول هذه الباحة صاعدًا إلى السطح- تكاد تميل من وطأة الشمس. والبطات الصغيرات والفرخات القليلات تتلمسن ظلًا قليلًا جنب الحيطان.
وبين آن وآخر تغرف واحدة الماء من المسقاة بمنقارها وتحمم نفسها، ثم تسرع إلى الظل، ويحل الصمت. تطرقن جميعًا يائسات والحمامات فى البنانى مطلات على هذا الوجوم دون أن تبدر منهن نأمة.
وكان وهو طفل يخيفه ذلك الصمت فى تلك الأوقات. صمت تعمقه قطرات الماء المتساقطة من قن الزير إلى الجرة. يرى الرطوبة سارحة من هذا الركن المبلول جنب الباب إلى الجدران. رطوبة بنية ساخنة تكاد تطبق على أرواح الخلق والحيوانات.