الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

التفكير باليابانى مثالًا

الخميس 27/يونيو/2019 - 10:00 م
طباعة
لو قلنا إنه كان من الضرورى تشغيل ماكينة التفكير الواعى والمستنير فى أى مرحلة من مراحل تاريخنا القديم وحتى العصور الأحدث والحالية، أعتقد يمكننا الجزم بأن واقع الظروف والمتغيرات التى نعيشها فى زماننا الحالى هى الأكثر إلحاحًا لإعمال كل منظومات التفكير العاقل الرشيد المبدع بغير خوف، والقوى بغير طيش، والمحدد بغير توهان، والمنطلق فى دنيا الطموح بغير فقدان للرؤية.
تكمن أهمية الذهاب إلى إعمال التفكير بعد أن باتت الشعوب تتفاعل فى الداخل والخارج مع عالم وفضاءات بوسائط تقنية حديثة تموج بكل ألوان الفكر الإنسانى المبهر والمتقدم إلى حد الإعجاز.
«التفكير» يمثل فى النهاية الدور الفاعل للعقل الإنسانى «النقدى، العاطفى، المنطقى، البديهى، الوطنى، العلمى، الإبداعى، المستنير.. وغيرها من أشكال التفكير الإنسانى».. من أجل التمكن من حركة العقل بين المعلوم والمجهول، ومن ثم تمكنه من التعامل معه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه ورغباته وغاياته، لرسم التصور العام لواقع ما من حيث الهوية وعوامل التكوين.
وعليه، ينبغى التحذير من التفكير وفق «كتالوج» قناعات وأفكار أزمنة ضعف تراثية، كنا نردد فيها فى البيت والشارع وعبر دراما الهطل اليومية أمثالًا ومقولات الدعوة للتراجع الحضارى، عبارات مثل «المية ما تجريش فى العالى»، «إيش حشرك يا مملوك بين الملوك»، «العين ما تعلاش على الحاجب»، «الإيد اللى ما تقدر تقطعها بُوسها»، «الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح»، «من خاف سلم»، «يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم»، «علقة تفوت ولا حد يموت»، «امشى سنة ولا تعدى قنا».. فقط ما ذكرت غيض من فيض هائل من تراث فلكلورى به نسبة كبيرة- للأسف- من القناعات الوهمية السلبية التى تحمل رسائل توجيهية عبر نصائح ووصايا تحريضية تُحقر من قيمة الطاقة البشرية، وتدعم مشاعر الرضا الوهمية بأوضاع مُذلة مُهينة، ولا تدفع فى اتجاه العمل الطموح، بل الدعوة إلى الارتكان للحظ والاتِّكالية والوساطة والمحسوبية والفهلوة والخنوع وقبول الضيم، والأهم إيقاف بندول ساعات التفكير.
أيضًا هناك مقولات وأقوال مأثورة بات استخدامها بمثابة كليشيهات متداولة، وكأنها قوانين حياة لا ينبغى حتى مراجعة مدلولاتها، منها «العقل السليم فى الجسم السليم»، التى لا تكاد تخلو جدران مدرسة من رسم حروفها عليها كقانون حياة، وهى فى بعض معانيها السلبية تشير إلى انتقاص القدرات العقلية لدى المعاق، فهل كان «طه حسين وعمار الشريعى، وآلاف وملايين العباقرة والموهوبين والعلماء الأفذاذ» من أصحاب العقول غير السليمة»؟!
أيضًا، تكرار الحث أو الدعوة إلى أن «نكون على قلب رجل واحد» لتحقيق النجاح، دون تفهم أهمية الاختلاف وتجاذب الأفكار وتفاعلها بين قوى جماعية لها رؤى أيديولوجية وفكرية وإنسانية وسياسية لا بد التعامل معها بأريحية، وأن يكون تفاعلهم فى الحسبان عند التفكير فى صناعة التقدم، وأعتبرها من التوجهات الخطيرة والمتراجعة.. فحدوتة «قلب رجل واحد» وتبَنِّيها شعارًا سياسيًا وإعلاميًا وتربويًا من قِبَل أى جهة فى أى زمان ومكان هى دعوات لا تشجع على التنوع والتعدد والاختلاف والتجدد والتحديث، وتحبذ قناعات أن فى الاختلاف عداوة، زى «رش الميه عداوة»، وأن تعدد الأفكار دعوة إلى الفرقة والتحزب والتشرذم!!!
ووفق تلك القناعات المثبطة وإعمالها لا ينبغى أن نسأل عن أسباب تراجع الخطاب الثقافى والتنويرى والخطاب الدينى إذا امتلك محرروها ومصدروها القدرات المادية والسلطوية لتفعيلها!
لا ينبغى باسم الوحدة تفتيت المجتمع، وباسم الوفاق والأخوة أن نحفر أخدودًا عميقًا بادّعاء حلم المجتمع الواحد، وباسم الاتحاد والائتلاف أن نعمق أسباب الفرقة والتشرذم فى الفضاء المجتمعى والإنسانى.
لماذا تقدمت اليابان؟.. يقول الكاتب شاكر النابلسى: «الجانب المادى والعقلانى فى الثقافة اليابانية أكبر من الجانب الروحى. فبوذا نفسه واقع مادى مُجسَم فى كل معبد، كانت اليابان تعيش فى جزيرة معزولة عن التيارات الثقافية العالمية ولم تنفتح اليابان على العالم إلا قبيل الحرب العالمية الأولى، وبالتالى لم ينشأ لدى هذه الثقافة رد فعل من جراء غزو الثقافات الأخرى لها، ولم تتشكل على سطحها طبقة كلسية سميكة، تحول بينها وبين التلاقح مع الثقافات، بل هى أخذت من الجميع، ثم سارت وحدها بخطواتها الخاصة، كانت الثقافة اليابانية معنيّة بما فى الغرب من صناعات وعلوم، ولم تكن تعنيها قيم الغرب الأخلاقية بقدر ما كانت تعنيها قيم الغرب العلمية وإنجازاته العلمية، والثقافة اليابانية لم تعتبر الغرب كافرًا وتمتنع عن الأخذ عنه، بل أخذت عنه الكثير وتركت القليل، اعتبرت الثقافة اليابانية نفسها أنثى وليست ذكرًا، وأن عليها لكى تُنجب أن تتلاقح مع الآخرين ولكن بعقد زواج يابانى وليس غربيا، ومن هنا استطاعت اليابان أن تأخذ الكثير عن الغرب وتُبقى على لباس «الكومينو».