الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
نرمين يسر
نرمين يسر

كان ذلك في 1949

الأربعاء 19/يونيو/2019 - 02:58 م
طباعة
"سلمى يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة"، كانت هذه أغنية الفتيات اللاتي مررن بالكشف الطبي الدوري الذي تجريه الحكومة المصرية على العاملات بمجال البغاء، للتأكد من سلامتهن وخلوهن من الأمراض المعدية والأمراض الجنسية لتجديد رخصهن في ممارسة البغاء؛وقد تم إلغاء التراخيص في أواخر أربعينيات القرن الماضي.
لماذا أتطرق الى واقع تاريخي مر عليه ما يزيد على نصف القرن! لأننا في شهر يونيو ، ذلك الشهر الذي تم تسميته تيمنًا بالإلهة "جونو" كبيرة الآلهة في الأساطير الرومانية والتي كانت تؤدي الدور نفسه للإلهة"هيرا" في الأساطير الإغريقية، وتعتبر "جونو" إلهة الزواج وإلهة ميلاد الأطفال.
منذ عقود سينمائية طويلة ظهرت المومسات في أفلامنا المصرية، وكانت أول ممثلة تؤدي دورها الفنانة القديرة أمينة رزق في فيلم "البؤساء" للمخرج كمال سليم عن رواية فيكتورهوجو التي تحمل الاسم نفسه، ومن بعدها توالت شخصيات المومسات في عدة أفلام، أبرزت المهنة المثيرة لخيال مؤلفي الدراما، مثل "درب الهوى" و"خمسة باب" و"شفيقة ومتولي" وغيرهم، في أفلام تدور في حقب زمنية أحدث، حيث اقتصر ذكر العاملات بالدعارة من خلال الأفلام التي تذكرهن كمرحلة في تاريخ مصر الملكية، ومن بعدها أصبحن مدانات ومنبوذات من قبل صناع الأفلام لإرضاء شريحة كبيرة من الجمهور الذي يشعر بالانتصار على ما لا يمكنه الحصول عليه في ظل مجتمع تحول من الإفصاح إلى الكبت، لتظل السينما المتنفس الوحيد للجوء إليه.
ولكن ربما اختارت بعض الدول الغربية هذا الشهر تحديدًا لإعلان "يوم العاهرة العالمي" لأحقيتها في نيل حقوقها طالما أنها تدفع ضرائبها كحق للدولة التي تمارس فيها عملها، ومنذ أن تعرضن إلي الإهانات من قبل زبائنهن، لم يستطعن مقاضاة المعتدي عليهن أو أن يقمن بوقفة احتجاجية بدون أن يتعرضن للسخرية والانتهاك اللفظي، لم يحصلن على أدنى حقوق قوانين بلادهن المتقدمة حضاريًا، حتي وإن كان ينص القانون على تلك الأحقية في النظر إلى قضاياهن إلا أنها تقابل بالاستهزاء إلى جانب التحقق والنظر في مطالبهن على مضض. كما تتجاهلهن السينما الأوروبية والأمريكية في حالات القاتل المتسلسل الذي يستهدف السيدات، ومنهم العاهرات التي لا تحقق الشرطة في ملابسات قضيتها وتحفظ ضد مجهول طالما لم يتقدم أحدهم ببلاغ رسمي يفيد اختفاءها.
هنا ظهرت الأزمة التي تصدت لها دول الغرب مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وغيرهم من دول الغرب الذي يعتبر المومس شخص عامل، يدفع ضرائبه ومن حقه أن ينال حقوقه في المقابل، ففي 6 يونيو الماضي قامت بعض المشتغلات بمهنة الدعارة بوقفة احتجاجية في بلجيكا لإحياء ذكرى زميلتهن التي لقت حتفها على يد أحد راغبي المتعة، نتوقف لحظة عند إبداء واحدة من أعضاء اتحاد "عمال الجنس المنظم من أجل الاستقلال-utsopi" بأن الوقفة الاحتجاجية بغرض إحياء ذكرى وفاتها "يعني الاستعداد للقتال من أجل حقوقنا"، ما يثبت عدم رضاء المشتغلات بالدعارة عن السياسة التي يتبعها نطام الدولة في التعامل معهن، وغياب قوانين محكمة لطرق تطبيقها من قبل الأمن والشرطة.
انظر الى العالم الموازي في التعامل مع فئة منبوذة لم تتطرق لها الحكومة المصرية منذ إلغاء قوانين الدعارة في الأربعينيات، المهنة التي بدأت من مصر الفرعونية على مر آلاف السنين وانتهت عند أربعينيات القرن العشرين، واقتصر ذكرها علي السينما فحسب، في حين أنها عمالة موجودة وقائمة في الخفاء، العمالة التي قدمتها السينما المصرية قديمًا ولم تعد تشير إليها بعد قوانين صارمة من قبل نفس الحكومة فى محاولة لإخفاء تاريخ وحاضر قائم يعترف به العالم أجمع.