الأربعاء 17 يوليه 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
adsads
ads
ads
ads
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

مع جريجورى بيك

الأحد 16/يونيو/2019 - 07:25 م
طباعة
ads
عام 1989، أو بعد ذلك بعام، كنت جالسًا مع أخى جمال الغيطانى فى قاعة فندق كبير بموسكو، عقد فيه جورباتشوف مؤتمرًا للسلام العالمى دعا إليه كبار الأدباء والفنانين والسياسيين من مختلف أنحاء العالم، جلسنا نثرثر ونتطلع حولنا حتى أطل جريجورى بيك، النجم السينمائى العالمى، من باب القاعة الفسيحة.
تمهل عند الباب وعلى كتفيه بالطو خفيف، وراح يجول بنظرة دافئة فى المكان، وبظهوره بدا كأن أحدًا قد شق الهواء بالطول وخدش فيه خطًا من النور، لمح جمال النجم الأنيق فهتف بدهشة: «ده جريجورى بيك يا أحمد!»، قلت: «نعم»، قال: «لازم أتصور معاه»، نهضنا واتجهنا نحوه وأنا أقول لنفسى: «جريجورى بيك أكثر نجوم السينما شعبية حتى ستينيات القرن، هو الذى شغل خيالنا فى سينمات الدرجة الثالثة بفيلم (مدافع نافارون) مع أنطونى كوين، وفيلم (مقتل طائر برىء) مع أودرى هيبورن، وهو الذى اشتهر علاوة على ذلك بموقفه المناهض لحرب فيتنام مع جين فوندا، حتى إنه قام عام 1972 بإنتاج فيلم عن محاكمة مجموعة من الشباب المحتجين على الحرب».. صافحناه وتحدثنا معه بإنجليزية مكسرة، فرحب بنا بمودة وبساطة كأنه يعرفنا منذ زمن بعيد.. وكان للغيطانى حس صحفى غير حسه الأدبى جعله حريصًا دائمًا على أن تكون معه كاميرا فى حقيبته أو على كتفه.. قال لى جمال: «التقط لنا صورة»، التقطت له صورة مع جريجورى بيك، ظل جمال محتفظًا بها مدة طويلة فى مكتبه بأخبار الأدب.
قلت للنجم الشهير إننى مراسل صحفى وأود أن أجرى حوارًا معه، ولم يهتم النجم الكبير بالاستفسار عن الجريدة، وما إن كانت مقروءة أم مجرد نشرة سرية.. جلسنا فى ركن، ورحت أسأله عن أفلامه، وعما إن كان زار مصر، وظل يجيب عن أسئلتى بدماثة وتواضع نصف ساعة.. تذكرت ذلك النجم بقامته الطويلة وحضوره المهذب الجميل بحلول ذكرى وفاته السادسة عشرة فى 12 يونيو، وبعثت ذكراه فى نفسى سؤالًا قديمًا عن مصير نجوم السينما، أولئك الذين يعيشون تحت الأضواء الساطعة وما يلبث النسيان أن يغمر صورهم. فى المؤتمر التقيت المغنى العالمى «ديميس روسوس» الذى تعود أصوله إلى الإسكندرية.. تقدمت إليه أكلمه بالإنجليزية، وحينما عرف أننى من مصر، قال لى بلهجة أبناء أزقة مصر: «طيب ما تتكلم مصرى يا أخويا»، ثم أدرت الحوار معه بالمصرية، وفى هذه المرة كنت قد تعلمت من الغيطانى أهمية الكاميرا، فالتقطت صورًا معه ما زلت أحتفظ بها.
كان ذلك المؤتمر حدثًا ثقافيًا ضخمًا فى حياة موسكو، لفت الأنظار إلى سياسة إعادة البناء بعد جمود ثقافى وفنى طويل فى العلاقات السوفيتية مع الغرب، خاصة بحضور نجوم مثل صوفيا لورين، ومارشيللو ماسترويانى، وأدباء عظام مثل فريدرش دورينمات، صاحب «زيارة السيدة العجوز».. وقد لمحنا دورينمات أنا والغيطانى فى ممر بأحد طوابق الفندق، كان قصيرًا، ممتلئًا، ويبدو ذاهلًا عما حوله، تقدمنا إليه أنا وجمال وخاطبناه بالإنجليزية، فاعتذر الرجل بأدب قائلًا إنه يتكلم الفرنسية فقط!، قلت لجمال: «خلاص نسيبه بقى يا جيمى»، قال جمال بإصرار: «ما يعرفش إنجليزى ماشى.. لكن ما بيعرفش يتصور؟!»، قلنا للرجل بالإنجليزية: «صورة.. فوتو»، فهز رأسه بالموافقة فى صمت، وقف جمال بجواره ثم وقفت أنا والتقطنا صورتين للذكرى مع كاتب لا يعرفنا ولم يكلمنا ولا كلمناه، وعندما حل موعد الغداء، جلست مع جمال إلى مائدة الطعام وقلت له: «خلاص يا جيمى.. أنا أى حد يكلمنى بعد كده ح أقول له: صديقى دورينمات قال لى!»، قهقه جمال قائلًا: «على طريقة هيكل، الملك قال لى، والرئيس همس لى»!.
ولقد مرت الآن نحو ثلاثين سنة على ذلك المؤتمر الذى التقيت فيه الكثيرين، ومع ذلك فإن صورة واحدة منه لم تفارق ذهنى، صورة جريجورى بيك، الذى بدا عند ظهوره بقامته السامقة كأن أحدًا قد شق الهواء وخدش فيه خطًا من النور.. أتذكره ربما لأنه كان مهذبًا جدًا، وتركنى أدير معه حوارًا طويلًا بلغتى المكسرة لصالح جريدة لا يعلم عنها شيئًا، بينما كان المراسلون من الصحف العالمية المرموقة يتواثبون من حوله.. الواضح أنه لكى يبقى الفنان فى ذاكرة الناس طويلًا لا بد أن يكون أيضًا جريجورى بيك، الذى رحل عنا فى 12 يونيو 2003، وما زالت صورته حية.
ads
ads
ads
ads