رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

وقف التجريف


فيه نكتة ظهرت فى الستينات
واحد راح الجمعية التعاونية يشترى فراخ، فـ قالوا له: عايزها فراخ بلدى ولا بيضا، قال لهم: بلدى، قالوا له: دى فى الدور التانى.
طلع الدور التانى، سألوه: عايزها صاحية ولا مدبوحة، قال لهم: مدبوحة، قالوا له: دى فى الدور التالت.
طلع الدور التالت خيروه برضه، طلع الرابع الخامس السادس، فين بقى فى الدور الأخير، قالوا له: هو إحنا ما عندناش فراخ، بس إيه رأيك فى النظام؟
النكتة دى بـ تلخص مشكلتى مع نظام عبدالناصر، النظام اللى لسه آثاره عايشة لـ النهاردا، باقية وتتمدد، ولا بد من القضاء عليها نهائيًا.
المشكلة هنا هى إن ناصر الله يرحمه ويحسن إليه ما خدش البلد ناحية الحداثة، والحداثة أعزك الله مش تكنولوجيا وبِدل مكان الجلابيات وتليفزيون وموبايل ووسائل تواصل اجتماعى، المجتمع الحديث له مواصفات إحنا غالبًا ما نعرفهاش، وأول المواصفات دى هى تغليب المضمون على الشكل، والنظر لـ الواقع من خلال ما هو حاصل، مش عن طريق «ما ينبغى أن يكون»، أو المفروض يعنى.
لما تبص مثلًا لـ التعليم، هـ نلاقى إنه بقى فيه اهتمام كبير، دا صحيح، بناء مدرستين كل يوم، إنشاء جامعات جديدة، وكليات جديدة، والكليات بقى فيها أقسام وشعبة، وشىء بسم الله ما شاء الله آخر حلاوة، زى الجمعية العشر إدوار كدا، إنما فين التعليم نفسه؟
هو دا السؤال.
ما بقاش فيه تعليم، لا فيه مناهج متطورة بـ تواكب ما يحدث فى العالم، ولا طرق حتى لـ توصيل المناهج القديمة الكلاسيكية لـ الطلاب، فـ بقت النتيجة إنه عندنا مؤسسات تعليمية كتير جدًا، لكن الحصيلة طالب مستواه بعد التخرج من الجامعة أقل من مستوى طالب الابتدائية قبل ما يسمى بـ مجانية التعليم.
عبدالحليم حافظ كان بـ يغنى فى الخمسينات لـ أفنديات، اللى دخلوا المدرسة فى التلاتينات والأربعينات، وكان فيه مشروع إن الأفنديات دول يزيدوا ويزيدوا ويبقوا أكتر ويبقوا نخبة البلد وطليعتها لـ النور وإلخ إلخ، بس إيه اللى حصل فى عشر سنين، لما اللى دخلوا المدرسة فى الخمسينات بقوا فى سن الجامعة؟
اللى حصل إن الأفنديات دول اختفوا خالص، ما بقاش ليهم وجود، المدارس ما خرجتش الدكتور والمهندس والمحامى والمدرس ورجال سكر على مكاتبهم تخدم بـ الروح زى ما كتب صلاح جاهين، المدارس خرجت ناس معاهم شهادات، بس لو معندوش حرفة مالوش مستقبل.
الحرفيين دول بقوا هم اللى بـ يسمعوا، ودا مش عيب، صحيح بقوا بـ يسمعوا محمد رشدى، وتحت السجر وعدوية، لـ درجة إن حليم تخلى عن مشروعه بتاع الأفنديات تمامًا، وصحيح إنه أنا بحب الشعبى جدًا وبحب تحت السجر وعدوية الأغنية، وعدوية المطرب، لكن فيه مشروع مات، ومع السير فى المنهج نفسه، بعد شويتين حتى الحرف دى اتجرفت، بعد ما اتفرغت من مضمونها، وما بقيتش قادرة تنافس أى منتج جى من بره، حتى المناصرة، قلعة الأثاث، اللى كنا بـ نجيب منها كل شى كان، لو رحت دلوقتى مش هـ تجيب حتى كرسى عمله عمال مصريين، والبياع بـ كل فخر، هـ يقول لك: دا صينى.
الاهتمام بـ الشكل، بـ الشهادة مش بـ التحصيل، بـ اسم الشغلانة مش بـ اللى تعمله فيها، بـ ما تبدو عليه الأمور، مش ما هى فى الواقع، كل دا أدى إلى تجريف منظم فى جميع مناحى الحياة، ربنا يعينا ونقدر يوم نوقفه، قولوا آمين.