القاهرة : الخميس 20 يونيو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثقافة
الأربعاء 05/يونيو/2019 - 09:48 م

وائل خورشيد يكتب: نيفيستا موريا.. يرمينا عادت للبحر

وائل خورشيد يكتب:
dostor.org/2655199

جلس الرجل السبعيني على مقعد يعرف مكانه المحدد على حافة رصيف الميناء البحري، مرتديا قبعة تشبه تلك التي يضعها الصيادون على رءوسهم، حيث اعتاد خلال السنوات الأخيرة أن يمكث في نفس المكان كل يوم، يبدأ جلسته مع بزوغ الشمس ويستمر حتى غروبها، تسعة أعوام ينظر في نفس البقعة من مياه البحر، منذ ذهبت هي، بقي هو منتظرا!

جاء الطفل الصغير، لا ينظر أمامه، بل نحو قدميه، بينما يداعب حبات الحصى، فهو لا يحتاج أن ينظر من حوله، فقد اعتاد على السير في هذا المكان يوميا بنفس الحمولة، والتي هي طعام ليتناوله مع جده الذي لا يعود إلى المنزل، فبعد أن تعبت الأسرة من إقناعه بالعودة للمنزل لتناول الطعام، كان البديل أن يرسلوا الطفل له بالزاد.

الطفل عمره لم يتجاوز الثماني سنوات، لا يعرف لماذا يصر جده على البقاء هناك كل هذا الوقت الطويل يوما. لكنه يشعر أن هناك أمر ملح، سر كبير وراء ذلك، لذا بينما يتناولان الطعام، فكر الطفل أن يفتش في صدر جده، رغم تحذيرات أمه له بأن لا يسأل عن هذا الأمر، إلا أنه لم يستطع أن ينتظر أكثر من ذلك، لذا سأل: أحضر لك الطعام كل يوم يا جدي منذ عامين، لما لا تعود للمنزل وتأكل معنا، لماذا لا تحب أن تمضي النهار في المنزل؟.. وجه الطفل كلماته لجده.

توقف الجد عن تناول الطعام، كأنما فقد شهيته فجأة، تلك التي رحلت مع "يرمينا". نفض الجد يده، ونظر للبحر، لأقرب نقطة من الرصيف، تلك البقعة التي لا تغادرها عيناه طوال فترات مكوثه في هذا المكان، شرد لبعض الوقت، عيناه لم تكن تنظر إلى فراغ، بل كانت مركزة على شيء، يمكنك أن ترى ذلك فيهما، إلا أن هذا الشيء غير ظاهر للآخرين.

قبل ستين عاما كان الجد بعمر حفيده، وكان هذا الميناء على حاله، ربما بعض التغييرات البسيطة، لكن الشكل العام كما هو. الولد حالم منذ يوم ميلاده، وما ساعده على ذلك، تعوده على أن تقص عليه والدته حكاية عروس البحر، كان يسمعها كل يوم وكأنما يسمعها للمرة الأولى، تمنى الولد أن يلتق تلك الجنية الساحرة، كان يذهب إلى البحر كثيرا عله يلتقيها يوما ما، لكن ذلك لم يحدث لفترة طويلة، حتى بدأ الولد يفقد إيمانه بالحلم.

في يوم صيفي، كان الطفل يجلس على حافة الميناء، واضعا قدميه في الماء، ينظر نحو الأسماك الصغيرة التي تتحرك من تحت سفح الماء محاولة أكل قطع الخبز الصغيرة التي يلقيها، لم يكن يفعل ذلك بغرض إطعامهم، وإنما ليتجمع حوله أكبر قدر ممكن، فربما تكون من بينهم تلك الجنية التي ينتظرها منذ زمن.

ظل على حاله حتى ظهرت الشمس في الأفق، كأنما تولد من رحم الماء، وبينما كان يتابع ولادتها، خرجت حورية من الماء، على هذا الرصيف، تعلقت برسغيها على طرف الرصيف، ونظرت له، ثم خرجت وركضت. صعق الطفل، عاد سريعا للوراء محتملا على يديه، واصفر وجهه، حينما تحول الحلم لحقيقة لم يصدق نفسه، عاد الطفل لأمه مهرولا، أقسم لها أنه رأى حورية البحر، ورأى ذيلها الذي تحول إلى قدمين بمجرد خروجها من الماء. ضحكت، ولم تصدقه، لكنه ظل مصدقا للأمر.

كانت فتاة صغيرة، ابنة سبع سنوات، قد وصلت إلى تلك البلدة مع أسرتها بالأمس فقط، والدها من نفس المكان، أما والدتها فكانت من مكانٍ ما في شرق أوروبا، وهو ما ترك أثر جميل على ملامحها، وكانت معتادة على نزول البحر يوميا بعد الفجر، ولا يمنعها إلا البرودة، وحتى تلك كانت تقاومها قدر ما استطاعت، ولم يكن يعجبها في بعدها عن أصدقائها، سوى أن هذا الوطن الجديد دافئ أغلب الوقت، وحتى برودته ليست قاسية، من النوع الذي يمكن أن تحتمله. فكان أول ما فعلته حينما وصلت، هو النزول للبحر في البلدة.

حاولت والدتها إثنائها عن تلك العادة، خوفا عليها، إلا أن الفتاة التي لا تحب شيء أكثر من الماء، ولا تعرف غير العناد، أصرت على ذلك، حتى أن والدتها سمتها بعد ذلك 'يرمينا حورية البحر'، وهي كذلك فعلا.

عاد الطفل في اليوم التالي، تكرر الأمر، لكن هذه المرة لم يصعق، ولكن وجهه اصفر حينما دق قلبه بشده، استدار فمه وفتح عيناه على آخرها ليتمكن من حفظ أكبر صورة ممكنة، وهو غير مصدق لما يراه من جمال، نظرت له، وضحكت ثم توجهت نحو أشيائها لتجفف جسدها وترحل، ولكن هذه المرة نهض الفتى، ونفض بنطاله الذي علقت به الأتربة، وتوجه نحوها وسألها ببراءة: أين ذيلك؟، ضحكت.. وظهرت على وجهها علامات عدم الفهم، لأنها لا تتقن لغة أهل البلدة بشكل جيد، ولا تستخدمها سوى مع والدها. أجابته: يرمينا، ورحلت.

ظل يعود كل يوم لنفس المكان ليلتقيها، حتى صارا صديقين. أغلب وقتهما حركة ولعب، إذ كان من الصعب عليهما الحديث في ظل ضعف لغتها. في أحد الأيام أراد أن يسألها عن ذيلها، لم يكن يعرف كيف يصفه لها، ظل يستخدم يديه كالزعانف، ويضم قدميه ويحركهما كالأسماك لتفهم، وهي تضحك، وفي الأخير قالت له 'أنا يرمينا نيفيستا موريا'..أفهمك من البداية، لكن كنت أحب أن أضحك على طريقتك، اسمي " يرمينا عروس البحر"، هكذا تطلق عليّ أمي، ليس لي ذيل حقا، ولكن أحب البحر كثيرا.

ظل الطفل يركض من حولها يقفز ويهلل نيفيستا موريا، وهي تضحك.

تعودا أن يقفزا معا إلى الماء، بعد كل فجر، يضحكا ويلعبا، ثم يعودا إلى منازلهما.

مرت السنوات على هذا الحال، معا في كل مكان في البلدة دوما، أصبحت رؤية أحدهما دون الآخر أمر غريب، كان الجميع يحبهما ويبتهج لقدومهما من شدة السعادة التي ينثرانها على كل مكان يكونان فيه.

كبرا معا، وفي أحد المرات بينما كانا يسبحان معا، حدث أمر غريب، لم يفهمه حينها، لم تحك له أمه عنه من قبل. فبينما كانا يمرحان اقترب منها كثيرا، كان يشعر برغبة كبيرة في هذا منذ فترة، ولكنه لم يفعل، وهي كذلك. اقترب فمه من فمهما، وقبلها لثوانٍ، ثم تركها فجأة، وغمر رأسه في الماء، وخرج مسرعا، بينما هي بقيت مكانها.

غابت هي أيام عن البحر، الفتى كان يذهب ولا يجدها، وكان يتحرج من الذهاب لمنزلها، كان يشعر أنه ارتكب خطأ.

كان يحاول فهم ما حدث، ولماذا، وبعدما احتار بما فيه الكفاية، قص على أمه ما حدث، لتشرح له، في البداية ارتبكت، ثم قالت له لا تفعل ذلك مرة أخرى، هذا يسمى الحب، انضج قليلا ونزوجكما.

تركها الولد، وأخذ يفكر كيف ينضج الآن، لأن ما فهمه من والدته أن المحبين يجب أن يجتمعا ويعيشا معا للأبد، وهو كان يريد ذلك، وكان يحتاج أن ينضج سريعا، الأفكار تعبث برأسه، هل هناك ما يجب أن يأكله حتى ينضج، هل هناك مشروب لهذا، لن يستطيع الانتظار طويلا.

عاد للميناء، وكانت يرمينا هناك، فحكى لها ما حدث، وأنهما يجب أن ينضجا سريعا، فاحمر وجهها في البداية، ومع الوقت هدأت، وبدءا يفكران في هذا الأمر الهام.

تذكر أن أبيه تزوج أمه وهو في نفس عمره، ١٦ عاما، وكان يعمل في البحر صيادا، لما لا يفعل هو كذلك أيضا. فحكى لها هذا الأمر، ثم صمت قليلا ونظر على أقدمهما التي تداعب بعضها والماء في آن واحد، وقال لها: ما رأيك يا يرمينا.. لنتزوج نحن أيضا وننضج معا، ربما حينما نكبر قليلا نكون توأما. ضحكت، وأومأت برأسها بالقبول.

نهض الفتى، وركض مسرعا نحو المنزل، بكى لأمه وانفعل وقبلها وفعل كل شيء، وفي الأخير نجح في إقناعها. ثم ذهب لقبر أبيه ليخبره بالأمر، كان محرجا في البداية، لكن الأمر لم يكن يحتمل الانتظار، فاضطر في الأخير أن يشرح له، حتى ألقى طائر عابر فضلاته فوق كتف الفتى، وهو ما أخبرته أمه في إحدى المرات أنه رزق، ففهم أن أبيه وافق.

يرمينا بدورها، امتنعت عن الطعام لبعض الوقت، وشرحت لأمها الأمر، رفضت في البداية، ولكن بعد بعض البكاء، وافقت وأقنعت والدها، الجميع على كل حال كان يعرف أنهما سيتزوجان يوما ما، ولكن كانت مسألة وقت.

في الأخير تقبلت الأسرتان الأمر. ولكن بقي أمر وحيد، أن يتبع عادات البلدة للزواج.

كانت عادة تلك البلدة أن الفتى حينما يريد الزواج، عليه أن يخرج في رحلة صيد طويلة، ويعود منها بشيء فريد للعروس، أما الأمور الأخرى فكان يتكفل بها الأهل.

انصاع الفتى للعادات من أجل العيش مع حوريته، رغم ضيقه الشديد من طول الرحلة التي ستبعده كثيرا عن حبيبته. خرج الفتى في رحلة الصيد الطويلة وودعته يرمينا.

ظل على المركب يعمل وسط الرجال الأشداء، جميعهم يعرفون سبب قدومه، فكلهم مروا بتلك التجربة، كان كلما اصطاد سمكة كبيرة، يفتح بطنها ليفتش فيها عن خاتم أو أي شيء ثمين، كما سمع في حكايات والدته، فيضحك الرجال، ويربتون على كتفه.

اقترب موعد انتهاء رحلة الصيد، ولم يعثر الفتى على أي شيء ثمين يعود به، حتى حدث إعصار شديد، وتمايل المركب بشدة، وكان الرجال بعضهم يعمل محاولا تفادي غرق المركب، والبعض الآخر متشبث بجزء منها تفاديا للوقوع في الماء، أما الفتى فساعديه لم يحتملا كثيرا، وسقط.

سقط الفتى في الماء، ارتبك بشدة، الأدرينالين قفز لكل مكان داخل عقله، ظل يصارع وظل يصارع ويقاوم بشدة، قدراته على السباحة لم تجد نفعا، كان الماء ثقيل جدا ويسحبه للأسفل، حتى خارت قواه، فهدئ جسده، وبينما كان يهوى للقاع، رأى يرمينا تسبح من حوله، حاول أن يبكي ويخبرها أنه لن يعود من أجلها، لكن كيف يبكي في قلب البحر.

مسحت يرمينا بيدها على جبينه، وسحبته من يده للقاع، نحو صدفة كانت تضيء، اقترب منها فوجد بداخلها لؤلؤة، أمسكها بيده، ثم غاب عن الوعي، استيقظ بعد ساعات ليجد نفسه فوق سطح المركب، والبحارة من حوله ينظرون له بقلق، بينما يده قابضة على شيء، ففتحها، فكانت اللؤلؤة، فضحك الرجال جميعا، وحملوه، ظلوا يلقون به في الهواء، وبعدها أقاموا احتفالا لنجاح الفتى في مهمته، وعادوا جميعا للميناء.

عقد قرانهما، وكانت اللؤلؤة مهر الحورية، وسكنا الغرفة العلوية من منزل أسرته، عاشا معا ٤٥ عاما كاملة، لم يغيبا عن البحر يوما، ولم يبتعدا عن بعضهما أبدا.

قبل ٩ سنوات من الوقت الحالي، مرضت يرمينا بشدة، وشعر بها، فمرض معها، و من شدة حزنه عليها، أصيب بإغماء استمر أيام، وعند استفاق، لم يجدها، أخبره أهل البلدة الذين يعرفون قصتهم، أن يرمينا كانت تنام بجواره متعبة، وحينما حضر الطبيب لرؤيتها، وجد أن ذيل سمكة ظهر مكان قدميها، وشعرت بضيق في النفس، وطلبت منهم أن يحملوها للبحر، وقبل أن تغطس أخبرتهم أنها ستعود من أجلك.

تمتم العجوز كأنما يهذي بينما زاغت عيناه: بالتأكيد ستعود يوما ما، سأنتظرها هنا حتى ذلك الحين، أو حتى يكون لي ذيل فألحق بها.

نظر لحفيده الذي كان يحدثه، ثم عاد ينظر للبحر محدثا نفسه: يرمينا أنت لا تعرفين كم أنا غاضب منكِ، غاضب وحزين جدا، أشعر بهذا النوع من الحزن البطيء، الذي يتسلل بهدوء، إلى أعمق مكان في القلب، ويبث سمه. هذا النوع الذي جاء هادئا ليبقى، لا ليرحل، الذي أنا مضطر للتعايش معه، ويلقي بآثاره على كل شيء، ويغير معنى كل ما يدور من حولي، سيكون شريكي الدائم حتى التقيكِ. أنا أعيش كمن هم بخير، أسير مثلهم، آكل مثلهم، أشرب مثلهم، أتنفس، أنام، ولكن في الحقيقية أنا لست بخير.

يرمينا أنا غاضب منكِ جدا وحزين، حزين للدرجة التي تدفع العصفور ليتوقف عن التغريد في الصباح، للدرجة التي تدفعه حتى لدخول القفص بنفسه، حتى يذبل هناك ويموت وحيدا.

وقف الشاب، مرتديا بذة سوداء، يتلقى العزاء في جده، بينما يذكر قصته، حتى جاء طائر فألقى بفضلاته على كتفه، فابتسم الفتى، وعرف أنها رسالة من جده يخبره فيها أنه التقى حبيبته الآن ويعيش في سلام.

ads
ads
ads