-
الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 18 ربيع الثاني 1441
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

مولاتى فاطمة النيسابورية.. أستاذة الرجال

الثلاثاء 04/يونيو/2019 - 05:06 م
طباعة
نحن الآن على وشك الدخول إلى أمنا العارفة العالمة مولاتى فاطمة النيسابورية لنعيش معها أوقاتًا هادئة مريحة، وقد اخترت مولاتى فاطمة حتى يعرف من يظن أن مقام الولاية لا يجوز إلا للرجال، أن المقامات والعرفانيات والولايات إنما تكون للقلوب لا للأجناس، حتى إن بعض الوليات قد علموا الرجال، وأرشدنهم إلى نهر الحب الإلهى، وكان ظنى أننى سأكتب عن مولاتى رابعة فلها فى مقام الحب أشعار لم يسبقها فيها أحد، ولكن القلم وأفاعيله قادنى إلى أمنا فاطمة! وأنتم تعلمون أن القلم لا يتحرك من تلقائه أبدًا، فللقلوب سطوتها، على أى حال كانت مولاتى فاطمة قريبة عهد بالسيدة رابعة العدوية، إذ ماتت رابعة حينما كانت فاطمة صبية صغيرة، وكانت قصة رابعة قد طبقت الآفاق، وحملت نجوم السماء أشعارها فى العشق الإلهى ونقلتها إلى كل العالمين، فهذا شعر لا تنقله إلا النجوم، فقد كان شعر رابعة هو الأول فى تاريخ المسلمين الذى يحمل دفقات نورانية عن الله سبحانه وتعالى من دائرة الحب لا من دائرة الخوف، ومن روائع شعر رابعة العدوية قصيدتها التى قالت فيها: عرفتُ الهوى مذ عرفتُ هواكْ..وأغلقتُ قلبى عمن سواكْ.. وكنتُ أناجيك يا من ترى.. خفايا القلوبِ ولسنا نراك.

أما مولاتى فاطمة فلم تكتب شعرًا، ولكنها تركت أثرًا كبيرًا فى نفوس رجال تتلمذوا على يديها وأصبحوا أقطابًا، وقبلها أيضًا كانت رابعة ملهمة لكل الشعراء الذين كتبوا فى العشق الإلهى مثل فريد العطار وابن الفارض. ولكن متى وُلدت أمنا فاطمة النيسابورية؟ لم يذكر التاريخ تاريخ مولدها، إلا أنه كان على الأرجح فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى، وإذا أخَذْتَ تبحث عنها فى كل الكتب القديمة فلن تجد إلا القليل، ويبدو أن حياة رابعة العدوية كانت قد طغت على غيرها من سير الوليات الصالحات، فلم نعرف قصة «غفيرة العابدة» التى عميت فقيل لها من أحد تلاميذها: إن العمى شديد، فقالت: عمى القلوب أشد، والحجاب عن الله أشد وأشد، ولم نعرف شيئًا عن «لبابة العابدة» وحياتها ونشأتها فى الشام وتقواها وحبها لله الذى قالت فيه: «المعرفة لله تورث المحبة له، والمحبة له تورث الشوق إليه، والشوق إليه يورث الأنس به، والأنس به يورث المداومة على ذكره» ما هذا الجمال يا سيدتى؟! إن أكثر الناس ندرة فى الكون هم من يتشوقون للأنس بالله، ولو عرفوا ما انقطعوا عن ذكره، وأقول لكم الحق إننى لو كتبت عن الوليات العارفات المحبات لله من قرأت عنهن، ومن رأيتهن رأى العين مثل السيدة زكية عبدالمطلب بدوى التى توفاها الله فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى، وكانت من كبار العارفات، لعرفتم أنهن كنّ أكثر من الرجال، وأورع منهم، ولكن من كتبوا تاريخنا كانوا ذكورًا فأهملوا ذكرهن، ولو نظرت إلى القديسات الزاهدات المحبات لله فى المسيحية لرأيت أن تاريخهن أعطى لهن مكانة عظيمة.
أما أمنا فاطمة النيسابورية فقصتها عجيبة، فهى أميرة ابنة أمير، نشأت فى بيت عزٍ وفخرٍ ومالٍ وحسب، وكانت الخادمات والوصيفات يُحطن بها فى كل حين لخدمتها، وكانت ضِياع أبيها الأمير ترمح فيها الخيل فلا تصل إلى نهايتها، فهى ابنة أحد أمراء خراسان، ولكنه كان أميرًا تقيًا حكيمًا، فأراد أن تنشأ ابنته على تقوى الله فأحضر لها من يُعلمها ويُحفظها القرآن الكريم، ويبدو أنها فُتنت بالقرآن لأنها أوقفت حياتها بعد ذلك عليه، والقرآن، إن لم تكن تعرف، هو حديث الله لنا، ألم يقل سبحانه: «فبأى حديثٍ بعده يؤمنون».
وفى السنوات الأولى من عُمر فاطمة كانت تعيش بين اثنين، قصرها وقرآنها، ثم شيئًا فشيئًا أخذت تتفرغ لقراءة القرآن، وتدبر معانيه، ومن تفرغ لشىء فتح الله له أبواب معرفته، أما قصر أبيها والوصيفات والخادمات فأصبحن فى حياتها أثرًا بعد عين، والغريب أنه لم يُعرف لفاطمة النيسابورية شيخ ولا أستاذ، ولكنها كانت تطرق باب الله فيفتح لها الفتوحات، كانت آنذاك صغيرة السن، ولكن رقة قلبها وصفاء روحها أوجدا فى قلبها حالة شعورية خاصة، ورغبة فى معرفة الله، ولك أن تتصور أنها رغم حداثة سنها إلا أنها كانت تعرف أن الله لا يغيب عنا أبدًا، نحن فقط وكل المخلوقات نغيب ونحضر، نراها وترانا، والله سبحانه خالق المخلوقات هو الذى خلق عالم الحضور وعالم الغيب، والغيب هو كل ما غاب عنك، ولكن خالق الغيب لا يغيب، وما الغيب إلا مخلوق من مخلوقاته، وقوانين المخلوقات لا تسرى على الخالق، ألا تعلم أنه «هو الظاهر والباطن»، فهل غاب حتى تبحث عنه، الله ظاهر بل خفاء، ولكن عقولنا محجوبة عن تصوره، لأنه الباطن الذى لا ندرك كنهه، فلا يعرف كُنه الله إلا الله. كانت فاطمة تدرك أن الله لو غاب عنا لما كان لنا ولا للكون كله وجود، سبحانه يُغَيِّب ولا يَتغيَّب، ولو قال لك أحدُهم إننى لا أرى الله، فقل له: لا تقل لا تراه، ولكن قل لا تُبصره، سبحانه هو الذى قال «لا تدركه الأبصار» ولم يقل لا تدركه الرؤى، والأبصار غير الرؤية.
وانزوت فاطمة فى حجرتها بقصر أبيها ليس لها عمل إلا الصلاة وقراءة القرآن، وكانت حجرتها هى خلوتها التى تأنس لها، والمكان أيضًا يأنس بأصحابه الذين أحبوه، وكبرت فاطمة وأصبحت فى سن الزواج، وتقدم لها الخُطَّاب، ولكنها كانت ترفضهم، إلى أن سمعت عن رجل عالم اسمه «أحمد ابن خضروية البلخى» وكان من الصوفيين الذين سلكوا طريق الله، وله كتاب اسمه «كنوز الأولياء» فأرسلت له تطلب الزواج منه! وهى من هى، الحسيبة النسيبة الأميرة ابنة الأمراء، ويبدو أن والدها الأمير ترك أمرها ليكون بيدها، فهى زاهدة منقطعة للعبادة وقراءة القرآن، وكانت سيرتها عند أهل بلخ جعلت الشباب يتسابقون على خطبتها، فإذا بها تطلب من أورع رجال بلخ وأصفاهم وأعبدهم وأزهدهم أن يتزوجها! وكان يكبرها بعشر سنين أو يزيد، وقد كان، وقدَّم لها العريس مهرًا يليق بمقامها، وبعد فترة من الزواج، وإنجاب الأبناء، أصبحت تُلقب بفاطمة أم البنين، إلا أن هذه الدنيا لم تشغلها طرفة عين عن ذكر الله، ومرت سنوات لا يعرف مداها إلا الله سبحانه رأت فيها مولاتى فاطمة أن بقاءها فى بلخ سيعوق قربها من الله، وأنها أحوج ما تكون إلى الحج لبيت الله الحرام، ولكن نفقة السفر والزاد والرواحل لا تطيقها أحوال الزوج، وهو الفقير الزاهد الذى كان لا يدخل جيبه مالٌ إلا وتصدَّق به، فقالت له فلتذهب بى إلى بيت المقدس، ثم إلى مكة، وسأنفق على تلك الرحلة من المهر الذى دفعته لى، ولكن المهر يا فاطمة لن يكفى نفقات السفر والرواحل، فقالت: سنذهب مشيًا! يا ربى، هذه امرأة ترغب فى القرب منك، فتحت لها من فيوضات حكمتك، فقالت فى تأويل آيات القرآن ما لم يقله كبار المفسرين، ولكن ما سبب رغبتها فى الذهاب إلى بيت المقدس أولًا؟ لتلتقى بأحد كبار العارفين! من هو؟ هذا ما سنعرفه فى الحلقة المقبلة والأخيرة.