الجمعة 10 أبريل 2020 الموافق 17 شعبان 1441
د. القس صفوت البياضى
د. القس صفوت البياضى

واقع مرير من ماضٍ أليم

الأربعاء 29/مايو/2019 - 05:44 م
طباعة
من متابعة حديث السيد الرئيس عن الأزمة الاقتصادية فى الدولة، يتضح أن هذه الأزمة ليست نتاج الحاضر ولا حتى الماضى القريب، بل هى أزمة تراكمية بدايتها حرب اليمن، تلك الحرب التى استنفدت الرصيد المصرى، بل وتعدى الأمر إلى الاقتراض، فالأزمة نشأت منذ أكثر من نصف قرن.
قبل عام ١٩٦٧ لم تكن مصر مدينة لأى جهة كانت، ولكن فى حرب اليمن ضاع كل رصيد مصر من العملة الصعبة، وإن كان لى أن أضيف أن سعر الدولار فى ذلك التاريخ لم يتعد خمسة وثلاثين قرشًا، وقبل ذلك كان يطلق على الدولار «ريال»، نعم إنه كما عبر السيد الرئيس واقع مرير أدى بِنَا إلى حاضر أليم، فدولة تعداد شعبها اقترب من المائة مليون، يفترض أن يكون الدخل السنوى ألف مليار دولار. وما يزيد الطين بلة أن هناك ترصدًا للحالة الأمنية ليس من خارجها فقط- وهذا مقدور عليه فى مواجهة جيش عظيم كجيش مصر القادر على حماية الدولة من كل جانب من الجوانب العديدة التى يتربص بها أعداء السلام وجنود الظلام- وجيشنا مشهود له على كل الأصعدة المحيطة، بل والعالم، أما ما يؤلم هو ما يحدث فى الداخل من بعض ممن ينتمون إلى هذا البلد العظيم، ونطلب لهم الهداية والرجوع إلى أحضان هذا البلد العريق الذى يعد من أقدم الدول تاريخًا وحضارةً ونضالًا وثقافة، كما أنه تديَّن قبل الديانات التى لا يتعدى تاريخها ألفى عام، فكانت مصر منذ فجر التاريخ بلد الحضارة ومصدر الشبع عندما جاع المحيطون بها ولجأوا يطلبون الغوث من مصر فى عهد يوسف الصديق، وحتى من قبله بآلاف السنين. مصر التاريخ الآمن شعبًا وأرضًا حتى عندما أصابت دول أخرى قريبة أو بعيدة الزلازل والبراكين وضيق العيش وطلب العلم كانت مصر حاضرة كريمة مع الوافدين مسالمة فى الداخل ويُعمل لها ألف حساب من الدول المجاورة أو البعيدة. وشهادة الكاتب لهذا المقال يقول لقد زرت فى تاريخ عملى وعلاقاتى بالمجالس المسكونية أكثر من خمسين دولة فى جميع قارات العالم، وبالطبع كانت دول الجوار لها النصيب الأكبر حيث زرت كل الدول العربية تقريبًا من ليبيا إلى السودان وإلى دول الخليج وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية، وتضمنت الزيارات لقاء مع طيب الذكر الملك عبدالله، وفى كل رحلاتى كان التقدير لمصر أعلى من أى تصور حتى تحقق ما كنّا نصف به مصرنا أنها أم الدنيا، والأمومة هنا ليست بعدد السنين، وإن كان هذا الادعاء محقق تاريخيا وحضارة ولغة وقبل الكل التمسك بالدين حتى من قبل الديانات الحالية: «مصر بلد الحضارة وملاذ من يلجأ إليها»، وأشهر من جاءها لاجئًا المسيح فى مهده ومن قبله يوسف وكل عائلته.
أما مصر الأمان فكانت هكذا طوال حقب التاريخ، أما ما يحدث هنا أو هناك، وأحدثها الانفجار الذى أصاب عددًا من زائرينا مع مضيفيهم من أبناء مصر فى وجهتهم إلى الأهرامات، مع إيماننا بأن مصر بلد الخير والكرم، لا يمكن أن يقبل شعبها الهجوم على ضيوفها أو أبنائها، فهذه نزعة ليست من شيم المصريين الذين اشتهروا بكرم ضيافة الغرباء، ومهما كانت المبررات السياسية أو العقائدية فليس هذا من شيم المصريين عبر التاريخ، ودعاؤنا المتكرر والدائم أن يحفظ الله هذا البلد بكل من عليها وكل من يأتيها زائرًا أو معاونًا، وحياة أبنائها أهم وأبقى من أية نوازع أخرى، فالمناصب لا تدوم والكراسى لها أدوارها ولكن مصر هى الأبقى وحمايتها فى رقاب كل أبنائها، خيرها لكل المصريين وما يسىء إلى سمعتها يسىء إلى أبنائها سواء فى الداخل أو من خارجها.
وصحيح أن مصر ليست الدولة الوحيدة التى بها بعض القلاقل، ففى عامنا الحالى وضعت دراسة الأسس التى تقيم عليها الدول الآمنة أو الأكثر أمنًا، حيث لا توجد دولة واحدة تخلو من القلاقل والحوادث.
أما الأسس التى تقيّم عليها الدول لبيان الأكثر أمانًا منها فقد وضعت ثلاثة معايير لقياس درجة الأمان منها الحرب والسلام، ثم درجة الأمان الشخصى والمعيار الثالث هو عامل الكوارث الطبيعية ومخاطرها، ومن التطبيق العملى وصفت الفلبين بالأقل أمانًا لظروفها المناخية أى واقعها الجغرافى الطبيعى، ثم تلى الفلبين دولة اليمن من الجانب الأمنى، وذلك راجع إلى الحروب ثم المجاعات.
وعلى الجانب الآخر تأتى الدول الأكثر أمنًا، فهذه الدول تقع فى النطاق الأوروبى، والدراسة تقول إن هناك نحو ست عشرة دولة أكثر أمنًا من أصل عشرين دولة أوروبية. أما الدول التى توصف بأنها أكثر أمنًا من خارج أوروبا فهى قطر وسنغافورة ونيوزيلاندا ثم كندا، كما يلاحظ أن الجانب الاقتصادى له تأثيره القوى على الحالة الأمنية، كما تتميز هذه الدول بأنها الأقل خطرًا من جانب الأزمات المفاجئة أو الكوارث الجغرافية، فالولايات المتحدة الأمريكية رغم تقدمها الاقتصادى فإن درجة الأمن فيها أقل من دول أخرى قريبة مثل كندا، وذلك راجع إلى أحداث العنف فى الولايات المتحدة مما يقلل من درجة ترتيبها الأمنى الشخصى رغم تقدمها العلمى والثقافى وفى مجال الحريات حتى إن أى شخص يمكنه أن يحوز سلاحًا دون الحاجة إلى تصريح أو ترخيص مما زاد من درجة الخطورة حتى بين الصغار، وهناك أصوات تطالب بتقنين عملية حيازة الأسلحة النارية، وهناك معارضة باعتبار أن فى هذا التضييق حدًا للحريات التى قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية.
خلاصة القول إنه لا يوجد ركن من أركان هذا العالم يمكن أن يطلق عليه أنه آمن مائة فى المائة، ولكن النفس البشرية متقاربة يصقلها التعليم الجيد والقدوة الحسنة من القادة نزولًا إلى كل صفوف الشعوب.
ads