الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
ads

"تفكيك الصنم 21"..

محمود خليل يكتب: ماذا خسر الإسلام بعنف المسلمين؟

الأحد 26/مايو/2019 - 06:29 م
جريدة الدستور
طباعة
يختزل سيد قطب مفهوم الجهاد فى مسألة القتال، وحتى لا يتناقض مع الآيات الكريمة التى تؤكد عدم الإكراه فى الدين: «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى» يشير «قطب» إلى أن القتال أداة للتخلص من طواغيت الأرض الذين يحولون بين الدعوة إلى الإسلام والشعوب، حتى إذا خلص الناس للدعاة خلوا بينهم وبين الدخول فى الإسلام، إذ ليس لهم أن يكرهوهم عليه.. الأطروحة التى يقدمها سيد قطب هنا تثير العجب، فالقتال هنا لا يتوجه إلى الكبار «الطواغيت»، بل إلى الشعوب، ونتاجه دائمًا هو إزهاق حياة البسطاء من الناس الذين يشكلون وقود المعارك، وتدمير مقدرات المجتمعات، ثم أين الحرية التى يتمتع بها مغلوب فى مواجهة غالب حتى يستفيد من قاعدة «لا إكراه فى الدين»؟، إن العنف فى هذه الحالة يولّد كراهية فى نفس الإنسان المقهور تجعله ينفر من الإسلام بسبب عنف أصحابه، ولأنصار سيد قطب أن يسألوا أنفسهم: ماذا خسر الإسلام بعنف المسلمين؟

ثم هناك سؤال آخر يتوجب طرحه، هو: من هذا الذى يمنع مسلمًا من الدعوة إلى دينه إذا أراد أن يفعل؟، فمنذ فجر الإسلام والمسلمون يمارسون الدعوة إلى دينهم، وكل ما تعرض له من آمنوا بالنبى، صلى الله عليه وسلم، من أذى تعرض له المؤمنون بكل الأنبياء والرسل فى كل زمان ومكان، بل إن الأنبياء أنفسهم تعرضوا للأذى وتحمّلوه فى سبيل نقل رسالتهم إلى البشر.. ولا تقتصر المسألة على الأنبياء فقط بل على المصلحين أينما ووقتما كانوا، وهى مسألة عادية وطبيعية.. ورغم الأذى لم نجد نبيًا أو مصلحًا يدعو إلى قهر الآخرين على الإيمان بما يقول، لأن الإيمان لا يستقيم مع القهر، النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يفعل ذلك، وإنما امتثل لأمر ربه بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن»، أمر القتال فى تجربة النبى ارتبط بالاعتداءات والتهديدات التى تعرضت لها «دولة المدينة».. النبى، صلى الله عليه وسلم، كان مثله كمثل أى قائد يقاتل من يبدأه بالقتال حماية للمجتمع الذى يتولى قيادته، وهو فى كل الأحوال لم يعتد على أحد، عملًا بقوله تعالى: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».
لقد ألّف سيد قطب كتابه «معالم فى الطريق» فى فترة الستينيات، أى فى النصف الثانى من القرن العشرين، حيث كانت البشرية تعيش مرحلة لا يجرؤ فيها أحد على منع غيره من الدعوة إلى عقيدة أو فكرة، ومؤكد أنه كان يعلم مثل غيره أن هناك مسلمين يعيشون فى أوروبا وفى الولايات المتحدة الأمريكية، وأن المؤمنين بالله ورسوله ينتشرون فى كل أصقاع الأرض، ولم يكن أحد يمنعهم من دعوة غيرهم إلى اعتناق عقيدتهم، بل على العكس تمامًا.. عدد المسلمين فى غزوة بدر بلغ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، واليوم يقترب عدد المسلمين من المليارين، آمن أغلبهم بالإسلام دون ضربة سيف أو رشقة رمح أو قهر أو غلبة، فالإسلام كعقيدة قادر على مخاطبة العقل والنفس الإنسانية وسكناها.. ولست أجد علة لهذا الدين اليوم سوى بعض من يزعمون الإيمان به، ويتورطون فى عنف يؤدى إلى صرف الناس عنه.. لو أن سيد قطب دعا إلى نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وتبيان ماهيته كدين يدعو إلى السلام بين البشر لنفع نفسه ونفع دينه، لكنه انشغل بالسلطة وليس الشعوب.. ومن المعلوم بالضرورة أن من ينشغل بالحكم يبحث عن أدوات القوة التى تمكنه من غلبة غيره، لذا يكون القتل مدار تفكيره، أما من ينشغل بالشعوب فأمره مختلف، حيث يصرف جهده إلى مخاطبة عقلها ووجدانها، ويكون مدار تفكيره القدوة الحسنة التى تغرى البشر بالاقتداء بها.

ads
ads
ads