الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441

"ولي ومريد"..

ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

ابن عطاء الله السكندرى.. الله يفتح أبوابه أمام «العارف»

الجمعة 24/مايو/2019 - 05:01 م
طباعة
قفز الشاب ابن عطاء الله على درجات الفقه وعلوم الحديث والتفسير درجة درجة حتى وصل إلى أعلاها، وسار الناس يتحدثون عن نبوغه وفراسته، وذوقه وبلاغته، ونحن نعلم أن العقل هو بيت العلم، ولكن القلب هو بيت الحكمة، وعقل فتانا كان يتفوق على عقول أقرانه، ثم على عقول أساتذته وشيوخه، ولكن الحكمة كانت تنتظر أن يفتح لها أبواب قلبه ولكن لكل أمر موعد.
جاء الموعد، إذ كان بعض أصحابه من المعجبين بالشيخ أبى العباس المرسى، وكانوا يجلسون مع ابن عطاء الله ويقولون له: من الحرى بك أن تذهب لهذا الشيخ وتستمع له، فكان ابن عطاء الله يقول لهم: ولماذا أذهب إليه وهو من الصوفيين الذين يفترون على الله ويقولون إن لديهم من العلم ما ليس بأيدينا، وعندما اشتد الجدل بينه وبين أحد أصحابه أنهى الحوار بأن قال: «من قال إن هنالك علمًا غير الذى بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل»، ولكن يبدو أن ابن عطاء الله لم يكن مقتنعًا بما قاله لصاحبه، فهو لم يسمع من أبى العباس المرسى من قبل، فكيف يحكم عليه بمجرد أقوال وصلت إليه؟! وعندما عاد ابن عطاء الله إلى داره أخذ يفكر، ثم قال لنفسه: «فلأذهب أنظر إلى هذا الرجل، وصاحب الحق له أمارات» وبذلك عقد ابن عطاء الله العزم، وكان لا بد أن يذهب، فقدر الله كان ينتظره، ومستقبل آخر كان فى انتظاره.
ولعلكم تتذكرون أن هذا الأمر كان قد واجه أبا العباس المرسى وهو ذاهب لأول مرة إلى أبى الحسن الشاذلى، ولكن المرسى استخار الله إذ كان حينها أكثر تشككًا من ابن عطاء الله، ودارت الأيام دورتها ليقف ابن عطاء الله نفس موقف أبى العباس المرسى، والأرواح تتعرف على بعضها، وتنتظر لحظة اللقاء، فذهب فتانا إلى القطب الكبير أبى العباس المرسى وهو يقدم رِجلًا ويؤخر الأخرى، وجلس فى مجلسه، وأخذ يستمع إليه وهو يرهف السمع حتى لا تفوته شاردة ولا واردة، ولكن الكلام لم يدخل إلى أذنه، بل دخل إلى قلبه مباشرة، والقلب كان متعطشًا للحكمة، وكلام أبى العباس الذى قاله فى هذا المجلس كان من قطوف الحكمة، ومع ما لابن عطاء الله من باع طويل فى العلم إلا أنه لم يسبق له أن سمع مثل هذا الكلام، ويقول ابن عطاء الله عن هذا اليوم: «وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض بحر إلهى».
لا أظن أبدًا أن ابن عطاء الله ذهب إلى بيته حينها، ولكننى أتصوره وقد امتلأ قلبه بسعادة غريبة تكاد تحمله وتطير، أحسبه كان يسير فى الطرقات ينظر إلى الناس والدواب والجمادات بحب، ولك أن تتصور معى أين يذهب الفتى الذى تعلق قلبه بحب الله؟ أيكون قد ذهب إلى البحر.. أم إلى أحد المساجد التى كان يحبها؟ الله أعلم، ولكن كل ما نعرفه أن الذى تحرك يومها ليس عقله، ولكنه قلبه، قلبه هو الذى انتفض، قلبه هو الذى شعر الآن بأنه يحب الله، لا ننكر أنه كان يحب الله قبل ذلك، ولكنه كان يحبه حب العلماء، أما الآن فهو يحبه حب العشّاق، وما أدراك ما حب العشاق!، فهو كالشلال المتدفق، أيحدث هذا له من كلمة.. أو من درس؟! نعم، فبالكلمة يفتح الله مغاليق القلوب، ورحم الله شاعرنا عبدالرحمن الشرقاوى الذى كتب: «الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور.. وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبلُ البشرى.. الكلمة فرقان بين بغى ونبى..».
وفى جلسات أبى العباس المرسى أخذ ابن عطاء الله يستمع إلى كلام لم يسمع مثله من قبل، وكان مثار دهشته أن المرسى لم يكتب كتابًا أبدًا، ومع ذلك فإنه صاحب فيوضات وأنوار تتقاصر دونها علوم الظاهر، وأدرك فتانا أن لكل شىء فى هذا الكون ظاهرًا وباطنًا، أليس الله نفسه هو «الظاهر والباطن» الظاهر الذى لا يحجبه شىء، والباطن الذى لا يتصوره أحد، والناس لهم ظاهر وباطن، حتى إن كل شىء فى هذا الكون له ظاهر وباطن، وكذلك آيات القرآن لها ظاهر وباطن، وباطنها لا يستغنى عن ظاهرها، وليس معنى وجود باطن للكلمة أن نصرف الناس عن ظاهرها، ولكن الباطن لمن يستطيع أن يغوص إلى أعمق من الظاهر، وكلما غاص استخرج لآلائها.
واقترب ابن عطاء الله من أبى العباس المرسى، وأصبح من أقرب المقربين إليه، وتلميذه النجيب، يغترف من فيوضاته، ويرتقى بقلبه فى مدارج السالكين، حتى سمعه الشيخ وهو يلقى درسًا فقال له: «يا أحمد عرفت فالزم، فوالله لأن لزمت لتكون مفتيًا عند أهل الشريعة وأهل الحقيقة»، وظل ابن عطاء الله مع شيخه المرسى اثنى عشر عامًا لم يتركه فيها يومًا، إلى أن قضى الله أمره ومات الشيخ بعد أن مكث فى الإسكندرية أكثر من أربعين عامًا، دخلها شابًا صغيرًا فى معية شيخه أبى الحسن الشاذلى، وظل ينهل منه ويتأدب بآدابه إلى أن أصبح قطب زمانه وفريد عصره، وبكاه ابن عطاء الله وهو يحمل جسده ليواريه التراب، وأتصوره وهو يطرد الهم من قلبه يتذكر يوم أن استولت عليه الهموم فذهب لمولانا أبى العباس المرسى يشكو له ما حاق بقلبه، فقال له الشيخ: «إن الواحد منا ما بين النعمة والبلية والمعصية والطاعة فمن كان فى وقت النعمة فسبيله الشكر، ومن كان فى وقت البلية فسبيله الصبر، ومن كان فى وقت المعصية فسبيله الاستغفار والتوبة، ومن كان فى وقت الطاعة فسبيله شهود المنة من الله أن هداه لها ووفقه للقيام بها»، أى أن يُقر بنعمة الله عليه أن هداه، وقد كانت هذه الكلمات بلسمًا لقلب ابن عطاء الله، وكان يستحضرها فى قلبه فى كل حالاته، والآن تم دفن الشيخ صاحب المهابة والجلال، وتلميذه الحبشى الولى الزاهد العارف «ياقوت العرش» سيصبح شيخًا للطريقة الشاذلية، وابن عطاء الله يريد أن ينطلق إلى آفاق أخرى، وكما قال الحلاج فى شعره: «قلوب العاشقين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون»، وقد رأى ذلك القلب العاشق أن يذهب للقاهرة، فالعلم الذى وصل إليه يعطيه الحق فى التدريس بالجامع الأزهر، وكانت فترة وجوده فى القاهرة هى فترة الإنتاج، فالنحل يرشف الرحيق من الزهور ثم ينتج العسل، وكما كانت الإسكندرية هى الفترة التى ارتشف منها ابن عطاء الله كانت القاهرة هى خلية العسل له.
وعندما نزل إلى القاهرة وجد الدنيا تموج بالأحداث، وحاكم مصر هو ثانى سلاطين الدولة الأيوبية «العزيز عمادالدين ابن الناصر صلاح الدين الأيوبى» وجلس ابن عطاء الله يُدَرّس فى الأزهر وهو جالس على كرسى، وأخذ التلاميذ يتقاطرون على حلقته فكلامه - كما قلت لكم - كان يأخذ بمجامع القلوب، وحدث فى تلك الآونة أن تم نفى أحد فقهاء الشام إلى مصر، وكانت لهذا الفقيه شهرة كبيرة، ولكن ابن عطاء الله أخذ منه موقفًا، فمن كان هذا الفقيه؟ وما موقف ابن عطاء الله منه؟ هذا ما سنعرفه فى الحلقة المقبلة.