القاهرة : الأربعاء 19 يونيو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
مصر
الثلاثاء 21/مايو/2019 - 07:49 م

"إسلاميات كاتب مسيحى 16"..

محمد الباز يكتب: الحياة الخاصة للنبى محمد بعين نظمى لوقا

محمد الباز يكتب:
dostor.org/2638766

- نظمى نفى عن الرسول تهم الشهوانية والاستكثار من النساء
- لا يكفى التعدد للقول بجموح الشهوة وسيطرتها على الرجل
أصل بكم إلى الكتاب الأول الذى دخلت به إلى عالم نظمى لوقا الخاص والواسع جدًا.
تذكرونه، إنه هو تمامًا «محمد فى حياته الخاصة».
الكتاب الذى دافع فيه المفكر والفيلسوف المسيحى عن النبى محمد صلى الله وسلم، ورد من على بابه هجمات من طعنوا فى حياته الخاصة، منطلقين إلى ذلك من مسألة تعدد زوجاته.
اعتبرت ما فعله نظمى لوقا دفاعًا مختلفًا عن النبى صلى الله عليه وسلم.
كنت قد قرأت دفاعًا إسلاميًا عن النبى فى مسألة زواجه، ووجدته دفاعًا تبريريًا يبحث فى الأسباب من أرضية عقائدية، وكان أصحاب هذا الدفاع يقومون بتبرئة النبى محمد ثم يحشدون لذلك أسبابهم.
ما فعله نظمى كان مختلفًا.
طبق على حياة النبى الخاصة منهجه الفلسفى الذى تبلور له عبر سنوات عديدة، وبعد أن أجرى عملياته البحثية ثبت له أن ما فعله النبى كان طبيعيًا، لذلك لم يكن دفاع نظمى عن النبى دفاع المؤمن، بل دفاع الباحث.
وقد يكون مهمًا أن أعرض لكم تفاصيل جديدة فى مذهبه هذا.
فى العام 1981 وقبل رحيل نظمى بما يقرب من 6 سنوات، أصدر كتابه «الله وجوده ووحدانيته بين الفلسفة والدين».
فى تقديمه لهذا الكتاب كشف نظمى عن نفسه وعن فلسفته وعن مذهبه، وحتى لا يتهمه أحد بالتلفيق، وضع عنوانًا لكلماته هو «ليست توفيقية».
قال: من الأمانة أن نجنب قارئنا الوقوع فى لبسٍ قد يجره إليه عنوان هذا الكتاب، فوجود الله ربما غلب على الأذهان أنه مبحث دينى، والحال أنه ها هنا ليس مبحثًا دينيًا، بل مبحثًا فلسفيًا خالصًا، ولقد كان الباعث الأول على هذا المنحى الفلسفى العقلى المحض صدمة نفسية فى طفولة المؤلف قضت على كل ثقة لديه بالسمعيات والتلقينات، فزعًا من الوقوع فى مهاوى الغفلة، حتى إذا بلغ مرحلة المراهقة التى يتفتح فيها الذهن للتساؤل عن مسائل الوجود الكبرى، صار منحاه الغالب على نفسه هو البحث العقلى المستقل تمام الاستقلال بفرديته فى مسألة وجود الله، وهل يمكن إثباتها بالعقل المستقل غاية الاستقلال، وعلى أى وجه يكون هذا الإثبات.
لم يذكر نظمى فى مقدمة «الله وجوده ووحدانيته» الأحداث التى أورثته صدمة نفسية عنيفة.
لكن قد يكون من المهم أن أثبت هذه الواقعة.
فى طفولته طلب من أبيه شيئًا سمع التلاميذ يتحدثون عنه وهو «المصروف»، الذى كانوا يشترون به الحلوى والدندرمة، عبس أبوه ودقت أمه صدرها، وحذراه من تلك السلع، قائلين إنهم وضعوا فيها سُمًا يقتل آكليها، وحدثته أمه عن صفرة لون الدندرمة حديثًا ملأه تقززًا، وأعطياه قطعًا من الشيكولاتة والحلوى الممتازة التى كانا قد عوداه عليها فى البيت، وصدق ما سمعه كعادته بغير تردد.
ذهب نظمى إلى المدرسة يغلى بالرعب والقلق على مصير آكلى تلك السموم، ورأى الصبية كعادتهم يشترون ما تعودوا على شرائه، وركبه الخوف عليهم ما بعد وما قرب، فاندفع يصرخ بصوته الضعيف بأعلى ما استطاع يحذرهم من السم الذى وضعه الرجل فى الحلوى، ومن بول الحمير الذى قالت له أمه إن بائع الدندرمة الصفراء يلون به سلعته المشتهاة.
هاج الباعة وهاج الأولاد، حتى خرج ناظر المدرسة إليهم، وخلصه من أيديهم، وهو يبكى ويتوسل إليهم ألا يشتروا شيئًا من الباعة، فهو يريد أن ينقذهم حتى لا يموتون بالسم وبول الحمير.
أخذه الناظر إلى حجرته وهو يضحك، وراح يوضح له أن ما قالته له أمه غير معقول، فما الذى يحمل الباعة على قتل زبائنهم وهم مصدر رزقهم؟ وإنما مراد أمه حمايته مما عسى أن يكون فى هذه المصنوعات الرخيصة من قذارة غير مقصودة، ربما سببت له أمراضًا، ولكنها بالتأكيد خالية من السم، فلا تفزع عليهم إلى هذا الحد، فكل يوم يأكلون منها بالمئات، وأما لون الدندرمة الأصفر فمن صبغة اسمها الكُركم، ولا علاقة له ببول الحمير.
وحتى يجعل الناظر قلب الفتى الصغير مطمئنًا تمامًا قال له: على كل حال لا تخرج فى الفسحة معهم، وابق هنا معى وسأرسل من يأتينى بالدندرمة وآكلها أمامك.
عند الظهر خرج مع التلاميذ ليجد الحنطور فى انتظاره، وإذا بالأولاد جميعًا «يزفونه» منطلقين مهللين وراء العربة: العبيط أهه.
كانت هذه الحادثة هى نقطة التحول الكبرى فى حياة نظمى لوقا.
دعك من إحساسه بالإهانة، فقد جرى ما هو أكثر، حيث هدمت هذه الواقعة سور الحماية الأموية والأبوية والذى أقر فى نفسه أن والديه هما منبع الحقيقة التامة القدسية، ولأول مرة عرف معنى الشك والارتياب ومعنى الوحشة.
شعر نظمى يومها بهوان الغفلة، هذا الذى كان رأسماله الوحيد هو التفوق فى المعرفة والفهم، ورغم صغر سنه، فإنه حسم أمره.
فمنذ هذا اليوم قال وداعًا للاستسلام للتلقين.
ومنذ هذا اليوم ثارت الأهمية الأولى فى حياته لحماية نفسه من الغفلة ومهانتها.
منذ ذلك اليوم قرر ألا يتقبل أى كلام على أساس الثقة بسلطة المتكلم أو مكانته.
منذ ذلك اليوم قرر أن يتيقظ ذهنه غاية اليقظة، للتثبت بنفسه من حقيقة كل ما يقال له.
منذ ذلك اليوم قرر فقط أن يحتكم إلى عقله الناقد.
منذ ذلك اليوم قرر أن يتحرى الصراحة حتى لا يرتكب فى حق أحد مثل ما سببه له أبواه، وإن كان بحسن نية.
هذا الموقف تحول إلى فلسفة كاملة.
كانت الثمرة الأولى لهذه الفلسفة فى حياة نظمى ذلك الكتاب الذى طُبع بدمنهور وصدر فى عدد محدود (100 نسخة كلها غير معروضة للبيع) فى مارس 1937، وأثبت على غلافه الذى يحمل اسم «الله فى نظر الناس وكما أراه»، كلمة تحمل معنى التحذير للقراء، نصها: «هذا كتاب فلسفة خالص لا علاقة له بالدين».
كان اتجاه نظمى منذ البداية منضبطًا إذن، لم يكن توفيقيًا بين الفلسفة والدين، كما هو الحال لدى الفلاسفة المسيحيين والمسلمين.
ولم يكن هذا الاستقلال- كما يقول هو- ينطوى على عداء للإيمان الدينى أو أى إنكار له، فليس هناك مانع على الإطلاق من أن يجمع شخص ما بين الفلسفة العقلية والإيمان الدينى، كما يجمع بين مجالى السمع والبصر مثلًا، وكل ما فى الأمر أن مجال العقل غير مجال الإيمان، وقد يجتمعان أحيانًا وقد لا يجتمعان أبدًا.
بعد عشر سنوات من صدور كتاب نظمى الأول، أى فى العام 1947، لم ينقطع انشغاله بمسألة الله.
كتب بحثًا عنوانه «سبيل اليقين» أو «دفاع عن العقل»، أثبت فيه أن اللا متناهى هو قطب المعقولية.
ومن هذه البذرة الأولى نمت نظرية القيمة عند نظمى لوقا، وأصبح على ثقة بأنها هى السمة المميزة للعقل الإنسانى والمفضية عند تعقبها فى مدارجها إلى قطب المعقولية وهو معنى الوجود بالإطلاق أو الله.
صاغ نظمى ملامح مشروعه الفلسفى بعد ذلك فى العام 1972 عندما أصدر كتابه «الله والإنسان والقيمة».
وفى العام 1975 كتب صياغة أخرى أكثر تبسيطًا لمذهبه فى كتابه «نحو مفهوم إنسانى للإنسان والوجود والمطلق»، أوضح فيها أن الموجودات جميعًا فى المنظور الإنسانى، إنما هى تعبيرات عن معنى الوجود بالإطلاق، وأطلق على مذهبه الفلسفى «الفلسفة التعبيرية».
الصياغة الأخيرة التى كانت أكثر نضجًا لنظرية نظمى كانت فى كتابه «الله وجوده ووحدانيته بين الفلسفة والدين».
يقول عن ذلك لقرائه: «وجود الله فى هذا الكتاب نتيجة حتمية للتمعن فى قراءة خريطة المعرفة الإنسانية، بمعنى أن اللا متناهى الأحد أو الله فرض حتمى لتفسير مسار العقل الإنسانى، ولكن لفظ الفرض هنا ليس بمعنى الفروض أو المسلمات التى يبدأ منها البحث أو البرهان، بل إن هذا الفرض الذى أعنيه خاتمة ونتيجة وليس بداية، إنه السطر الأخير فى البرهان العقلى الذى يقال بعده مباشرة، وهو المطلوب إثباته وليس المعطى فى البداية على سبيل التسليم.
يصل نظمى إلى ما أعتقد أنه يمكن أن يكون مدخلًا صحيحًا ومناسبًا لما وصل إليه فى حياة النبى الخاصة.
يقول: العقل الأمين فى تفكيره يعرف أين يقف وأين يقول لا أدرى، وهذا ما أخذت به نفسى بعد إثبات وجود الله بنظريتى الوصفية للمعرفة والسلوك، حيث أقررت بعجز العقل عن إدراك صفات الربوبية بأنوار الخاصة المستقلة.
ما يجعلنى مطمئنًا إلى مذهب نظمى الفلسفى أنه يقول: العقل لا يمنع الإيمان ولا يتدخل فيه، وطوبى لمن اجتمع له الاثنان.
يقول نظمى: محمد تزوج عددًا من النساء... واقع مشهود لا ينكره ولا يفكر فى إنكاره أحد، يتناولونه فى براءة مصطنعة وخبث مبيت ليقولوا بعدها: وليس زوج الواحدة سواء وزوج العدة من النساء.
زوج الواحدة ملجم الشهوة.
وزوج العدة من النساء جامح الشهوة مطلق العنان، لا يطيق منع نفسه من طلب النساء، أو هو لا يريد أن يمنع نفسه من طلبهن، ما دامت الفرصة متاحة لما يشتهيه من الإباحة.
يحدد نظمى الاتهام بقوله: والنتيجة الطبيعية لهذا الكلام أن محمدًا كان رجلًا شهوانيًا، لا صبر له على النساء ولا كابح له عن الاستكثار منهن.
ويحدد الفيلسوف مدخله العقلى إلى هذه المسألة.
فهو لا يتعرض لهذه الفرية من منظرها الخارجى، بل من أساسها الذى بنيت عليه، يتعرض للمقدمة المدسوسة التى خلطت بين الكم والكيف، وبين التعدد وجموح الاشتهاء، وهو خلط قريب المدخل عند من لا يدققون الفهم ولا يفرقون بفطنة بين المظاهر المادية والبواعث النفسية التى هى أمور باطنة لا تأخذ العين العابرة ما لم تؤيدها بصيرة نافذة.
هل أنتم مستعدون لدرس فلسفى بسيط؟
استمعوا إلى نظمى إذن وهو يتكلم.
يقول: حتى نقرب المفارقة إلى الأذهان، فننقلها من المضجع إلى المطبخ، ومن الفراش إلى المائدة.
زيد رجل نهم شره... لماذا؟
لأننا نرى على مائدته العديد المتنوع من الألوان والصحاف.
وعمرو رجل قنوع... لماذا؟
لأنه لا يأكل إلا من طعام واحد، صحفة واحدة تتكرر بعينها فى كل وجبة، ولا يحاول لها تبديلًا، ولا يستزيد عليها.
وعصام رجل زاهد... لماذا؟
لأنه قلما يذوق الطعام، وإذا تذوقه فهو من الخبز القفار لا يمس الإدام ولا يهم به.
من الأسئلة الثلاثة والإجابات عنها، يصل نظمى إلى أنه ما رأى الراءون من زيد وعمرو وعصام إلا ما على المائدة، وما يدخلونه فى أفواههم، أما ما فى باطن كل واحد منهم من الشهوة للطعام، والرغبة فيه، والإقبال عليه، والتعلق به، فلم يره الراءون، بل تخيلوه تأسيسًا على ظاهر المطعوم الذى يسترعى النظر، ولا يحتاج إلا إلى عين ترى ويد تحصى.
ولكن الطبع أمر موكول ببواطن الشعور والبواعث بصرف النظر عما يتفق أو لا يتفق، ويتيسر أولًا من الوسائل المادية المقابلة لتلك البواعث.
أجل قد يكون صاحب الصحاف المنوعة الكثيرة من الطعام غير بطين ولا شره، نفسه غير متعلقة بأفانين المأكول، ولا تشبث له بكثرتها وتنوعها، وإنما ذلك عليه هين يتيسر له فيصيب منه غير محتفل ولا مكترث، أو لا يتيسر له فلا يهتم ولا يأسى.
هذا وقد يكون صاحب الطعام الواحد أو الصحفة الواحدة بطينًا شرهًا تتعلق نفسه بالمأكل، يكترث لما يصيبه منه فيسرف ويغتم إن غاب عنه، فالشراهة فيه طبع ونحيزة لا يتعلقان بالمظهر الخارجى، وإنما هى نوع من العلاقة بين الآكل والمأكول، علاقة متينة الأسباب، عميقة الجذور فى نفس المرء ذى البطنة.
بل أكثر من هذا، قد يكون الممتنع عن الأكل بإدام ما عاش لا يأكل إلا الخبز القفار ولا يملأ منه جوفه إلا لمامًا، قد يكون هذا المرء أكثر بطنة وشراهة فى واقع الطبع والنحيزة من صاحب المائدة المنوعة، ومن صاحب الإدام الواحد.
فالعبرة بالعلاقة بين الآكل والمأكول، سواء حضر ذلك المأكول أو غاب، وسواء أقبل عليه الآكل إقبالًا فعليًا أو أحجم عنه لسبب من الأسباب.
ويسأل نظمى: ألا ترى إلى المريض يمنعه الطبيب المعالج من الطعام؟.
ولكن ذلك الامتناع لا ينهض آية على عفة أو انصراف، بل الأمر على نقيض ذلك تمامًا فى معظم الأحيان، إذ يقابل ذلك الامتناع شهوة قوية إلى كل مأكل منوع، وقد تجمح فتنتهز خلسة من الرقباء لتأكل من الدسم ما تصل إليه.
وقريب من ذلك مَن يمنع نفسه عن الطعام من تلقاء ذاته، فليس هذا على الدوام آية على هوان أمر الطعام عليه، بل قد يكون النقيض هو الصحيح فى هذا الموقف أيضًا.
العبرة ليست بالامتناع إذن- هكذا يقول نظمى لوقا- إنما العبرة بتعلق النفس ومدى الاهتمام فى باطن الشعور، فرب ممتنع عن الطعام وهو يستهول أمر ما حرمه على نفسه، وكأنه بهذا دائن نزل عن شىء ضخم غاية الضخامة، يقتضى مقابلة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وليس هذا حال الزهد الحق، فالزهد الحق أن تخلع حب الدنيا ولذاتها من قلبك، لا أن تمتنع عنها ببدنك وقلبك متعلق بها.
ليس الزهد الحق أن تمتنع عن الإدام وأطايب الطعام، وأنت بها مستهامٌ، فإنك حينئذ تكون أنَهَم المنهومين.
وإنما الزهد ألا تكترث نفسك للذات الطعام أصبت منها أم لم تصب، فهوان تلك اللذات عليك وهى حاضرة متاحة لك هو العفة بعينها، واستهوال تلك اللذات وأنت ممتنع عنها هو الشراهة بعينها.
يخرج نظمى من توضيح الفيصل العقلى بين النقائض فى باب المأكول، إلى الفيصل العقلى الدقيق بين النقائض فى باب الفراش.
فصاحب الزوجات الكثيرات يجمع بينهن قد لا يكون شهوايًا، لأن المعول على ما يكون فى نفسه من نوع الصلة والارتباط بهن، فإن كان ذلك الارتباط ارتباط تعلق بلذة المضاجعة قبل كل شىء، فالرجل الشهوان بسبب تعلقه بتلك اللذة، لا بسبب كثرة عدد من فى عصمته من النساء.
أما إن كان صاحب الزوجات الكثيرات مرتبطًا بهن برباط لا يقوم على طلب اللذة قبل كل اعتبار، بل يقوم ارتباطه بهن على الأواصر الإنسانية السامية من مودة ورحمة وبر ورعاية وحدب وتكريم للشخصية الآدمية فى المرأة، فالرجل ليس بشهوان لعدم ابتناء صلته بالمرأة على اللذة البهيمية، بصرف النظر عن عدد من فى عصمته من النساء.
وبهذا المقياس عينه، ننظر إلى صاحب الزوجة الواحدة، فإن كانت صلته النفسية الباطنة التى تربطه إليها صلة تراحم وإيثار وتكريم للشخصية الآدمية فى المرأة، فالرجل ليس شهوانًا بسبب نوع إحساسه وصلته الباطنة بالمرأة عمومًا، لا بسبب اقتصاره على امرأة واحدة.
أما إذا كان صاحب الزوجة الواحدة يصدر فى ارتباطه وتعلقه بها عن عنف طلب اللذة لذات اللذة، فالرجل شهوان بهيم بصرف النظر عن عدم تعدد من تنصرف إليهن وتنصب عليهن شهوته الجامحة من أفراد النساء.
وبهذا المقياس نزن سلوك من لا زوجة له، طائعًا أو مكرهًا، فننظر إلى حال نزلاء السجون، وليست لهم امرأة من سبيل فهل ننسبهم إلى العفة وسكون الشهوة؟
هذا غير معقول، فما أشد جماح شهوة هؤلاء الفئة من الناس، وكثيرًا ما يدفعهم ذلك إلى الشذوذ، فعدم اتصالهم بالنساء إطلاقًا لا ينهض على عفتهم، لأن الشهوة لديهم متقدة.
وكذلك من لا زوجة له، ولا يقرب النساء بمانع من إرادته يكون إحساسه بالمرأة مع ذلك إحساس المكترث المتعلق، وتكون لذة المضجع عنده عظمية المكانة فى نفسه، فهو إذن شهوان بصرف النظر عن احتباس شهوانيته احتباسًا ظاهريًا أو عدم احتباسها.
بهذا التفريق الحاسم نعزل ما هو من عالم النفس أو عالم الباطن، عما هو من عالم المادة أو عالم الظاهر، وندرك أنه رب ذى زوجات كثر لا مطعن على سمو نفسه ونزاهة مشاربه، ورب ذى زوجة لا موضع فى قلبه إلا لذى البهيمية، يكبرها حتى تكون عنده معادلة لأعم ما فى السماء والأرض من المناعم، ولا يرتضى ثمنًا لها أقل من جنات الفردوس.
لا ارتباط إذن بين المظهر والمخبر، فقد يدل المظهر على الشىء ونقيضه، فلا يكفى التعدد إذن أساسًا للقول بجموح الشهوة وسيطرتها على الرجل، بل ينبغى أن يلتمس الملتمسون لذلك الحكم أساسًا آخر من شواهد حاله، ومجموع سلوكه مع النساء، كثر عددهن أو قل، لأن المعول على نوع الصلة وبواعثها، لا على كثرة العدد أو قلته أو انعدامه.
الرجل الشهوان هو الذى يكون ارتباطه بالمرأة وطلبه لها أنها أنثى، لأنها أداة غفل لقضاء تلك الرغبة الغريزية، وقيمتها عنده رهن بما تتيحه من درجات تلك اللذة.
أما من كانت المرأة عنده ذاتًا، وكانت صلته بها صلة الإعزاز الشامل والمودة السابغة، فطلبه لها ليس طلبًا بهيميًا أعمى، بل هو تكميل للمودة وتتويج للإعزاز فى مظهره الحسى الأقصى.
هكذا يكون الترابط بين جنسى الإنسان، ترابطًا لا ينحط بهما إلى درك الحيوان، وشتان بين رغبة نملكها ونستخدمها ورغبة تملكنا وتستخدمنا.
يصل بنا نظمى لوقا إلى مقصده من هذا الدرس الفلسفى، إلى النبى محمد.
يقول: ما كان محمد رجلًا هزيل الحيوية واهن الوظائف، ولكنه كان يملك حيويته ولا تملكه حيويته، ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه، فهى قوة له تحسب فى مزاياه، وليست ضعفًا يعد فى نقائصه.
لم يكن أبوالقاسم معطل النوازع، ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها فى كيانه فى المستوى الذى يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل فى الصورة الجميلة الجليلة، التى لا تهرب من قدر، بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره.
وتعالوا نبدأ رحلة جديدة.

ads
ads
ads