رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أحمد من عيلة إيمى


«طيب ما هو أحمد من عيلة إيمى!».. هذه العبارة البسيطة التى لا تتجاوز كلماتها الخمس كلمات سكبت فى قلبى فرحة وطمأنينة، إلى أن أحدًا لن ينتزع منا مصر أبدًا، وأن قوة أيًا كانت لن تنتزعنا من مصر، وطالما أن «أحمد من عيلة إيمى»، فإن المستقبل مفتوح أمامنا لنرسمه بلون أحلامنا.
أما العبارة فجاءت على لسان نجوى والدة إيمى، حينما دعاها صديقى حسام عنده ليحتفلا معًا بعيد القيامة المجيد.. وفى يوم الاحتفال وصلت نجوى وأسرتها وتطلعت فى الصالة وحينما لم تجدنى سألت: الله.. وأحمد فين؟. قال لها حسام: الدعوة كانت مقتصرة على عائلة إيمى. فقالت له على الفور ما بين الضحك والجد: «طيب ما هو أحمد من عيلة إيمى»! نعم أنا أحمد عبدالرحمن من عائلة إيمى وكل عائلة قبطية، وإيمى من عائلة أحمد وكل عائلة مسلمة. كانت تلك العبارة التى ترددت ما بين المزح والجد أجمل ما سمعته فى شهر رمضان، لأنها انطوت على تهنئة بقوة المحبة، وتهنئة بسلامة مصر، ووعد بأن القلب المصرى عامر بالحب وقادر على الوثب فوق جدران الظلام إلى النور.
وصلتنى فى شهر رمضان المبارك تهانٍ كثيرة، بدوام الصحة، ودوام الخير، ودوام النجاح، لكن عبارة «طيب ما هو أحمد من عيلة إيمى» كانت تهنئة بدوام مصر. وقد كتبت من قبل أن مصر طالما تعرضت لغزوات وجيوش وحروب لكنها لم تنهزم، وطالما تعرضت مصر للفقر والجوع لكن موجات الألم كانت تنزلق كالمياه من على جوانب الصخرة، وتنحسر عنها الأزمات، فإذا بلونها الأسمر عاليًا لامعًا بالندى تحت الشمس، وإذا باسمها الأغلى فى الوجود، وكتبت أن خوفى الوحيد على بلدى هو الطائفية، والتمييز الدينى، واستعلاء فئة على أخرى، بكل ما ينطوى عليه الاستعلاء من بغض كفيل بتقويض كل شىء.
وحينما يهلّ شهر رمضان أسعد بالكثير من التهانى، لكن أكثر ما يفرحنى، التهانى التى تصلنى من إخوتى الأقباط، والتى تشعرنى بأن المستقبل مفتوح أمامنا، وأن أحدًا لن ينتزع منا مصر، وأن قوة أيًا  كانت لن تنتزعنا من مصر. وعندما تقول نجوى والدة إيمى: «طيب ما هو أحمد من عيلة إيمى»، أفرح من كل قلبى، وأبتهج بتاريخ طويل عريق، كانت عائلتى الفنية خلاله تتألف من مارى منيب، وإسماعيل يس معا، من د. لويس عوض ود. محمد مندور معًا، من أبوالمعاطى أبوالنجا وإدوار الخراط معًا، من البطل عبدالمنعم رياض والبطل باقى زكى يوسف معًا، ومن طه حسين وسلامة موسى معًا.
يصحو كل ذلك فى قلبى، وأقول لنفسى ها هى الأعياد الدينية تمسى أعيادًا مشتركة للمحبة، ويصبح عيد القيامة المجيد وشهر رمضان أعيادًا عندنا جميعًا، وتنزلق الصغائر والبغضاء من على جوانب الصخرة، وإذا بلونها الأسمر لامعًا بالندى تحت الشمس. نعم، أنا من عيلة إيمى، وإيمى من عائلتى، ولن ينجح شىء فى فصم عرى تلك القرابة الروحية والفكرية والوطنية. قديما قال بيرم التونسى: «قرآن محمد قال لنا.. عيسى المسيح روح ربنا.. والست مريم ستنا.. تنزل فى أكبر منزلة.. أبويا ناسب بسخروس.. واسم خالى جرجيوس.. وجد أمى فلتاؤوس.. وأنا اسمى طه أبوالعلا».
وكان أحد الأصدقاء يقول إن «فانوس رمضان» بحد ذاته رمز للوحدة الوطنية، لأنه ما من مسلم اسمه فانوس، وما من مسيحى اسمه رمضان، لكن الاسمين يجتمعان فى شهر رمضان، ومع أن صديقى كان يقول ذلك مازحًا لكنها الحقيقة. أنا أحمد من عيلة إيمى، التى لا تفوت عيدًا مسيحيًا أو مسلمًا إلا وتدعونى للاحتفال معها، فأجلس وأشعر بأن فرحة وطمأنينة تنسكب فى قلبى ومشاعرى، وأن بلدنا الجميل المرهق المتعب العذب الساحر صاحب النكات والسهرات والكلمات والفنون سيظل بقانون المحبة أغلى ما فى الوجود. لا شىء يهزم المحبة ولا شىء سوف يهزمها، وحدها ستبقى، ووحدها سوف تضمد كل جراح الوطن.