رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ألسنة الشيطان «2»

عبدالوهاب داود يكتب: «رويترز».. وكالة تصنيع الفتنة ودس السم بين السطور


على مدى ما يقرب من 170 عامًا، لم تتوقف وكالة «رويترز»، لصاحبها ومؤسسها بول يوليوس رويتر، ذى الخلفية اليهودية، عن بث المقالات والتقارير التى تتحدث عن «المهنية، والحياد، والموثوقية العالية، والسرعة فى نقل الأخبار من مصادرها وأماكن حدوثها»، وغيرها من الكلمات المرسلة، والعبارات المخادعة، التى لا تجد لها صدى على أرض الواقع، أو فى فضاء البث الإخبارى، ولا تعرف من أين تأتيهم الجرأة لتصديق أنفسهم وهم يلقون هذا الهراء أمام أعين الجميع، بينما رائحة الكذب الرخيص، تفوح من جميع أقسام صفحات الوكالة البريطانية الأقدم، وتقاريرها، ولا تحتاج مجهودًا لرصدها، وتفنيدها، واكتشاف زيفها، خصوصًا إذا ما قررت متابعة مواقف الوكالة، وما يبثه محرروها وكتابها بشأن دولة ما، أىّ دولة، بل لن أكون مغاليًا إذا قلت إن الأمر لن يستغرق منك دقائق معدودات حتى تكتشف كمية الأكاذيب وعدم الحياد، وافتقاد الموضوعية والموثوقية، إذا ما تابعت ما تبثه الوكالة من قضية تشغل الرأى العام «المحلى أو الدولى»، أو حتى مسألة واحدة بسيطة.. لن يستغرق الأمر منك أكثر من دقائق معدودات، حتى ترى جبل الأكاذيب وهو ينهار تحت قدميك بسهولة وسرعة لا يصدقهما عقل.

مؤسسها يهودى بدأ مشروعه الإعلامى بتوظيف الحمام الزاجل فى نقل الأخبار الاقتصادية حول العالم
رغم الأصول الألمانية لبول يوليوس رويتر، مؤسس وكالة الأنباء البريطانية الأكبر تمويلًا، إلا أن انتماءه اليهودى الذى يبدو أن هناك حرصًا غير مفهوم على إخفائه، ربما كان له فضل كبير فى قدرته على رؤية الأرباح، واقتناصها أينما توفرت، وحيثما حطت، خاصة أن رحلته مع الصحافة بدأت بتوظيف الحمام الزاجل، طائر الجاسوسية الأشهر فى التاريخ، فى نقل الأخبار المالية والاقتصادية، قبل أن تنتقل إلى الأنباء العامة والسياسية، وقبل أن تحترف وكالته تلوين الأخبار، وتسريب ما يطلبه منها صناع السياسات الدولية فى لندن وواشنطن وغيرها من العواصم التى تملك القدرة على الدفع، ومنح الامتيازات، أو تميل إليها «القلوب والخلفيات الدينية».
ولد رويتر فى مدينة كاسل الألمانية، فى 21 يوليو 1816، لعائلة يهودية، وتوفى فى 25 فبراير 1899، فى نيس بفرنسا، وبينهما لمعت فى ذهنه فكرة استخدام الحمام الزاجل فى نقل الأنباء سنة 1848، فذهب بها إلى باريس، حيث بدأ عمله فى نقل الأخبار بين محطات البرق على حدود ألمانيا وبلجيكا وفرنسا، قبل أن يستقر فى لندن حيث أسس وكالة «رويترز للأنباء» لنقل الأخبار المالية فى أوروبا سنة 1851، والتى بلغت عائداتها السنوية حوالى 12 مليار دولار عام 2011، فيما بلغ عدد العاملين بها نحو 55 ألف موظف، يتوزعون على نحو 100 دولة حول العالم، وطوال هذه السنوات التى تقترب من القرنين من الزمان، لعبت أسبقية الوصول إلى مواقع الأخبار، وسرعة نشرها فى بلاد ولغات عديدة ومتباعدة، دورًا فى تثبيت أقدام الوكالة، وشهرتها دوليًا، لكن هذه الشهرة لم تتم ترجمتها إلى واقع مهنى واحترافى، يدرك أصول المهنة، ولا قواعدها، وإنما تعمد القائمون عليها استثمار هذه الشهرة فى دسّ السم بين السطور، وبين ثنايا الأخبار والتقارير العاجلة، والقادمة من أنحاء المعمورة، وربما كان المثال الأوضح والأقرب للقارئ العربى، على ما فعلته، وتفعله «رويترز» من تزوير للحقائق والوقائع بمهارة واحترافية، ما جرى من تسريب لآليات التعامل الصحفى مع وصف «الكيان الصهيونى»، منذ وعد بلفور عام 19١٧ وحتى يومنا هذا، والذى شهد عدة تحركات تبدو لك غير متعمدة أو غير مقصودة، لكن مع قليل من المتابعة والرصد سوف تكتشف الخديعة التى انطلت على الجميع، وأنها كانت رحلة مدروسة ومنظمة، استمرت على مدى سنوات طويلة، بدأت بالإشارة إليه فيما تبثه من أنباء بعبارة «الأراضى الفلسطينية المحتلة»، وهى العبارة التى كان من السهل تمريرها عربيًا خلال السنوات الأولى من الصراع العربى الإسرائيلى، تحولت مع الوقت إلى «الاحتلال الإسرائيلى» فى الفترة ما بعد نكسة 67، وهنا عليك أن تلاحظ حذف الإشارة إلى العنصر الفلسطينى من القضية، واستبداله بالإسرائيلى فيما يشبه إشهار الوجود وتثبيته، وهى الحركة التى لم تلتفت إليها غالبية الصحف العربية التى اعتادت النقل عن «رويترز»، وتبنّى ما تبثه من أخبار وتصديقها، تلتها الحركة الأكثر خبثًا والتى تم فيها استخدام عبارة «دولة الاحتلال»، التى ظهرت إلى حيز التداول الصحفى فى ثمانينيات القرن الماضى، أو خلال سنوات ما بعد توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» مباشرة، وهنا لم تستخدم الوكالة مباشرة عبارة «دولة إسرائيل» لما كان من الممكن أن تلاقيه من اعتراضات أو تحفظات، وما تؤدى إليه من شك وريبة، لذا كان اللجوء إلى كلمة «الاحتلال» من أجل تمرير الـ«دولة»، وهو الأمر الذى لم يستمر طويلًا، إذ ما لبثت كلمة «دولة» أن استقرت وتم التغاضى عنها أو عدم الانتباه إليها، لتكتمل رحلة إنشاء «دولة إسرائيل» على خريطة الأنباء العربية والدولية، متجاورة مع رحلة تثبيتها على الأرض الفلسطينية، وصارت هى العبارة الأكثر تداولًا عند الحديث عن ذلك الذى كنا نسميه «الكيان الصهيونى»!
هذه الآلية فى تمرير المفردات والتوصيفات، هى واحدة من الأساليب التى تلجأ إليها الوكالة البريطانية، لتلوين أخبارها وتقاريرها وتسريب ما تريد ترسيخه من عبارات تتحول مع الوقت إلى واقع، وهى آلية ليست بعيدة عن أساليب السياسة الإسرائيلية فى التفاوض والاستيطان والاستيلاء على الأرض، بتوسيع مساحات التواجد ببطء وهدوء ودون أن يشعر الطرف الآخر بالخديعة التى تمت جرجرته إليها.

تغطيتها أحداث مقتل ريجينى وسقوط الطائرة الروسية فوق سيناء تكشف موقفها التحريضى من مصر
الملفت أن «رويترز» هى أكثر وكالات الأنباء الدولية حديثًا عن «الاحتراف والمهنية» و«الالتزام بقواعد العمل الصحفى»، وهو ما يستدعى للذهن مقولة الكاتب الساخر برنارد شو عندما قال له كاتب آخر «أنا أفضل منك، فأنت تكتب بحثًا عن المال، أما أنا فأكتب بحثًا عن الشرف»، فنظر إليه شو ضاحكًا وقال له على الفور: «صدقت، فكل منا يكتب عما ينقصه».. فأىّ مهنية اتبعتها «رويترز» فى متابعتها لقضية مقتل الإيطالى جوليو ريجينى فى مصر؟، أو عند إصرارها على بث تقارير بشأن تراجع شركة «أرامكو» السعودية عن اتفاقها مع مصر لتوريد كميات من النفط، رغم نفى جميع الأطراف المعنية لما نشرته؟.
أىّ احترافية أظهرتها فى استباق كل التحقيقات بشأن حادث سقوط الطائرة الروسية فى سيناء؟، وأىّ التزام مهنىّ اتبعته، وما زالت، فى تغطيتها ومتابعتها لما يفعله الإرهاب الأسود فى مصر؟ وما يقوم به «تنظيم داعش الإرهابى» فى العراق وسوريا وليبيا، وفى جميع أرجاء المعمورة؟، هل من المهنية توصيف تنظيم إرهابى بأنه «جماعة جهادية»، أو «جماعات مسلحة معارضة»؟، وهل من الاحتراف تبنّى ما يطلقه التنظيم المجرم على نفسه من أوصاف وأسماء؟، هل من الحياد السعى إلى حشر مصر فى أى كارثة تحدث فى المنطقة، وافتعال الأزمات، وتضخيم الأحداث الصغيرة، والاعتماد على المصادر المجهلة؟.
ربما لا يذكر البعض ما حدث بعد مقتل جوليو ريجينى، الباحث الإيطالى فى القاهرة، حيث فوجئ الجميع بخبر تبثه وكالة «رويترز»، وتنقله عنها العديد من المواقع الإخبارية، تدعى فيه أن «مصادر مجهلة فى المخابرات المصرية» أبلغتها بأن أجهزة الأمن احتجزته، قبل العثور على جثته لاحقًا، وأنه تم تعذيبه واحتجازه بقسم شرطة الأزبكية قبل اختفائه، الأمر الذى دفع إدارة الشئون القانونية بوزارة الداخلية إلى تحرير محضر رسمى ضد الوكالة، تتهمها فيه بترويج الشائعات والأخبار الكاذبة، وإشاعة جو من التوتر بين القاهرة وعواصم الدول الأوروبية، والتأثير سلبًا على العلاقات المصرية الخارجية والاقتصاد المصرى.
الملفت فى الأمر أن هناك من صدق أن «مصادر فى المخابرات المصرية» تحدثت للوكالة بالفعل، وكشفت لها معلومات تستبق بها كل التحقيقات، وتدين سلطات بلادها، فأى بلاهة تلك؟، وأى مجنون يمكن أن يكتب ذلك وينتظر أن يصدقه أحد؟.
والأكثر لفتًا للانتباه أن السلطات الإيطالية نفسها لم تتعامل مع تلك التقارير والادعاءات بأى درجة من الجديّة، بل كانت بنفسها هى التى تنفى تلك المزاعم، ولا تركن إليها خلال مراحل التحقيقات، بينما ظلت «رويترز» حريصة على بثّها وإعادة نشرها كمعلومات للتذكير مع كل تقرير جديد لمتابعة التحقيقات، وهى إحدى الآليات التى تتبعها الوكالة الدولية لبثّ السموم بين السطور، بانتقاء خلفيات تخصّ موضوع التقرير أو الخبر الذى تبثه، وعادة ما يتم انتقاء هذه الخلفيات وتوظيفها لتوجيه القارئ الغافل إلى الوجهة التى تريدها أجهزة لا يعلم بها إلا الله، والجالسون فى غرف التحكم عن بعد.
أكاذيب «رويترز» فى حادث ريجينى لم تتوقف عند ذلك التقرير الفاضح، فبعدها بأسابيع قليلة نقلت تصريحات منسوبة إلى الدكتور هشام عبدالحميد، رئيس مصلحة الطب الشرعى، وادعت أنه أدلى بها أمام محققى النيابة العامة بشأن تشريح جثمان الشاب الإيطالى وتصوره لكيفية وقوع الجريمة، ما دفع عبدالحميد إلى التأكيد على أنه لم تتم مناقشته، أو الاستماع إلى شهادته أمام النيابة العامة فى هذه القضية، وأنه لم يدلِ بأىّ تصريحات تتعلق بالأمر، وقال نصًا: «إن ذلك الخبر مختلَق جملة وتفصيلًا، وعارٍ تمامًا عن الصحة».

تستند فى تقاريرها إلى مصادر منتمية للجماعة الإرهابية أو معروفة بعدائها للدولة المصرية
أين إذن المصداقية والمهنية والاحتراف؟ لا أحد يعرف.
أين الدقة والموضوعية والحياد؟ لا تشغل بالك كثيرًا، فهى من الأوهام التى لم تعد الوكالة المنتشرة حول العالم تعتمد عليها، فتحولت إلى مصدر للشائعات والأكاذيب وإشعال الفتن، لا مصدر للمعلومات ولا الأخبار ولا شىء مطلقًا، إذ يبدو أن العبارة المنسوبة إلى الزعيم الهندى غاندى، والتى يقول فيها: «لو تشاجرت سمكتان فى أعماق المحيط فاعلم أن بريطانيا وراء ذلك»، هى أصدق عبارة يمكن بها وصف رحلة الوكالة الدولية منذ لحظة تأسيسها عام 1851 وحتى يومنا هذا، ولعل أصدق مثال يدعم هذه المقولة ما حدث بشأن تقارير «رويترز» التى ادعت فيها أن شركة «أرامكو» الحكومية السعودية أبلغت الهيئة العامة للبترول المصرية «شفهيًا» فى مطلع أكتوبر 2016 بالتوقف عن إمدادها بالمواد البترولية، الخبر «المكذوب» الذى نشرته «رويترز» نقلًا عن مصادر مجهلة أيضًا، كان من الممكن أن يحدث بلبلة ويعكر صفو العلاقات بين بلدين وشعبين شقيقين، فى فترة هى الأدق فى تاريخ العرب، فوفقًا للقواعد المهنية التى تتشدق بها الوكالة، كان يجب على محرريها تحرى الدقة فى المعلومة التى تعجلوا بثَّها، ونقلتها عنهم صحف ومواقع «كالأهبل فى الزفة».. كان يمكنهم الاتصال بالمتحدث الرسمى لوزارة البترول الذى نفى فى وقتين، سابق ولاحق، هذه المزاعم.. أو الاتصال بـ«أرامكو» التى أصدرت بيانًا رسميًا أكدت فيه «التزامها بعقد توريد البترول لمصر لمدة 5 سنوات»، وأن هذا الاتفاق «غير خاضع لأى أحداث سياسية».
والغريب أن «وكالة نشر السموم» ظلت تعيد نشر تلك المعلومات «المكذبة» كخلفيات لتقارير تالية «كاذبة أيضًا»، ومنها ما نشرته عن زيارة وزير البترول، طارق الملا، إلى طهران للقاء نظيره الإيرانى، للاتفاق على استيراد القاهرة مواد بترولية، بديلًا عن شركة أرامكو السعودية، التى أوقفت تعاملها مع مصر لأجل غير مسمى، وهى الأخبار التى تم نفيها بشكل قاطع من الجانبين المصرى والإيرانى، كما كشف طارق الملا عن تواجده وقتها بدولة الإمارات. نفس اللعبة سبق أن مارستها «رويترز» مع حادث سقوط الطائرة الروسية فى سيناء فى نوفمبر 2015، ولم تكن هذه المرة الأولى التى تنشر فيها وكالة الأنباء العالمية أخبارًا لا أساس لها من الصحة، فبعد سقوط الطائرة استبقت «رويترز» نتائج التحقيقات، واتجهت إلى أن الحادث ناتج عن وجود مواد متفجرة بالطائرة. ووقتها انتقدت مصر تداول هذه الأخبار، لأن من شأنها الإضرار بالاقتصاد وقطاع السياحة، خاصة أن لجنة التحقيقات لم تكن قد توصلت بعد إلى أى استنتاجات عن سبب تحطم الطائرة، وبنفس الآليات المفضوحة نقلت عن «مصادر مجهلة أخرى» أن الأمن المصرى وممثلى ‏المطار، أبلغوها بأن رجلًا مجهولًا مشاركًا فى تحميل الحقائب على متن الطائرة الروسية تسلم من موظف مطار ‏شرم الشيخ حقيبة مجهولة لم تتعرض للتفتيش بالأجهزة الخاصة وحُملت إلى الطائرة وهى التى فجرتها، ووصلت إلى حد الزعم بأن المطار اعتقل موظفين به للاشتباه فى تورطهم بتفجير الطائرة، وهى المعلومات التى سارعت السلطات المصرية إلى نفيها وتكذيبها رسميًا.‏‎
وأخيرًا فعلت «رويترز» خيرًا باتخاذ قرار فورى بسحب تقاريرها المضللة عن الانتخابات الرئاسية فى مصر، والتى أساءت إلى جموع المصريين، وتضمنت معلومات وأكاذيب من مصادر معروفة بعدائها للدولة، بعضها إن لم تكن غالبيتها، تنتمى لتنظيم الإخوان الإرهابى، الذى ما زالت الوكالة تصفه على غير الحقيقة بالجماعة المعارضة، حتى إن الوكالة نفسها وصفت هذه التقارير المسحوبة بأنها تفتقر إلى المعايير المهنية.
أخيرًا.. اعتراف صريح بمخالفة المعايير المهنية، لماذا؟، وماذا تخبئ وكالة نشر السموم خلفها؟.
الحقيقة أننى أشك فى هذا الاعتراف، لا أصدقه، ولا يطمئن له قلبى، فالوكالة التى دأبت على التسلل تحت جلد الصحف ووسائل الإعلام العربية والدولية، ببث سمومها بين السطور وفى خلفياتها، لن تهتم بمثل هذا الاعتراف الصريح، إن لم يكن وسيلة لتثبيت الوهم فى العقول الكسولة، التى ما زالت لا تجيد قراءة ما بين السطور، ولا تعرف أين مصلحتها، وأن مصلحة الوطن والبلاد يجب أن تأتى قبل أى شىء وكل شىء، وأنه ليس من مصلحة أى إنسان أن يسلم عقله لألسنة الشيطان.