الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
ads

بنكهة الموت.. مصانع "بير السلم" تصبغ "المخلل" بمواد ضارة

الإثنين 13/مايو/2019 - 11:54 ص
جريدة الدستور
هاني سميح - سمر مدحت
طباعة
كعادتها كل عام ابتاعت "هبة" 38 عامًا، ربة منزل، كمية كبيرة من المخللات، من إحدى المحال المتخصصة بمنطقة الخليفة المأمون التابعة لمحافظة القاهرة، استعدادًا لشهر رمضان، وفي اليوم الأول، وضعته على مائدة الإفطار بعدما اجتمع حولها أبناؤها، إذا بها تفاجئ عقب فتح العلبة بذباب منتشر داخله وديدان.

"ليست المرة الأولى، فسبق وأصيب ابني بالتهابات في المعدة، بسبب ماء المخلل، والتي اكتشفت فيها وجود ديدان"، نجل هبة كان ضحية لمصانع المخلل التي تقوم بتوريد منتجاتها إلى المحلات، لكنه ليس الوحيد الذي تضرر من المخلالات التي تباع على الأرصفة ويستخدم لها أصحابها مواد غير صالحة.

يكشف التحقيق التالي عن استخدام محال ومصانع مخلل مواد وصبغات غير صحية، لإنضاجه بشكل سريع وإعطاؤه ألوان مختلفة، لاسيما في أيام شهر رمضان، ما يؤدي إلى إصابة من يتناوله بتسمم ونزلات معوية، في غياب رقابة وزارة التموين.


"ألوان المخلل تتغير من محل إلى آخر|


تقول هبة: "ابتعت طبق المخلل من أحد المحال الشهيرة في منطقة الخليفة المأمون، وبمجرد فتحه وجدت ذباب منتشرة به، وفي مرة أخرى عقب تناول ابني من نفس نوع المخلل بذات المحل، أصيب بنزلة معوية نقل على إثرها إلى المستشفى، وأجرى له الطبيب غسيل معدة".

تؤكد السيدة التي داومت على شراء المخللات أن ألونها تتغير من محل إلى آخر، وأماكن التخزين لديهم ليست نظيفة، وتقوم كل مرة بتوجيه النصيحة لأصحاب المحلات بتنظيف المخازن، وتغطية أنواع المخللات حتى لا تكون ضارة. مختتمة: "لم أقم بتكرار التجرية مرة أخرى، وامتنعت أنا وأطفالي عن تناول المخللات".


استشاري تغذية: "طريقة التخزين خاطئة وتؤدي إلى نمو البكتريا"


الدكتور هشام الوصيف، استشاري التغذية، يقول أن سلوكيات الإنتاج والتخزين الخاطئة في المحلات والمصانع للمخلل هي من تؤدي إلى فساده، وإصابة من يتناوله بأضرار بالغة.

بحسب الوصيف، فإن من الأخطاء التي تقوم بها محلات المخلل هي التخزين لفترة طويلة ما يؤدي إلى نمو البكتريا فيه بشكل كبير، مضيفًا: "المخلل في أصله خضروات لا بد من حفظها وغسلها بطريقة جيدة، تمنع نمو البكتريا بها".

استشاري التغذية يوضح أن بعض المحال تستخدم مواد صبغية وكيميائية لإسراع إنضاجه وإعطاؤه اللون الأحمر الدموي، مشيرًا إلى أنها تؤدي لأمراض سرطانية فيما بعد لمن يتناوله بكميات كبيرة.

يؤكد أن تناول المخلل الذي تم تصنيعه وإنتاجه بتلك الطريقة يؤدي إلى التهابات في المعدة، والتهاب لمفاوي، وأحيانًا تسمم أو نزلات معوية بسبب نشاط تلك البكتريا الموجودة فيه في جسم الإنسان.


مضبوطات لأطنان من المخلل غير صالحة للاستهلاك


مضبوطات المخللات الفاسدة التي يتم إعدامها يوميًا في مختلف المحافظات، أكبر دليل على انتشار تلك التجارة الفاسدة، منها ما ضبطه مكتب مراقبة الأغذية بإدارة الفشن الصحية، جنوب بني سويف، كميات من المخللات غير صالحة للاستهلاك الآدمي، يستخدم أصحابها عجينة من الدقيق مصبوغة بصبغة مجهولة المصدر تساعد على سرعة إنضاج المخلل، وإعطاؤه ألوان مختلفة.

ومن قبلها ضبطت مباحث التموين بمحافظة الغربية، 740 كجم مخللات غير مطابقة للمواصفات القياسية ومغشوشة داخل معمل غير مرخص بقرية ميت حبيش البحرية التابعة لمركز طنطا.

وفي مدينة بنها تم ضبط ٧ طن مخلل غير صالح للاستهلاك الآدمي تستخدم نفس الصبغات الضارة، وفي الجيزة ألقت مباحث التموين القبض على صاحب مصنع لاتهامه بالغش التجاري، حيث تم ضبطه وبحوزته 38 طنًا و360 كيلو مخلل غير صالح للاستهلاك الآدمي، وتم ضبط صاحب مصنع مخلل بمدينة كفر الشيخ بداخله نحو 33 طن مخلل غير صالح للاستهلاك الآدمي.

"معدا التحقيق" أثبتا استخدام محلات المخلل لمواد غير صحية وصبغات، من خلال مغامرة مصورة لـ "الدستور" داخل أحد أوكار بيعها والتي أكد أصحابها في اعترافات مسجلة استخدامهم مواد صناعية لتلوين المخلل وتسريع عملية إنضاجه.

داخل إحدى العقارات الصغيرة في الحي السادس بمدينة 6 أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة، وجدنا ما يشبه المصنع لإنتاج المخللات، يتكون من ثلاث غرف جدرانها متآكلة، والأسقف متهالكة تمامًا، وتعج الأرضية ببراميل بلاستيكية داخلها يتم تخزين المخلل.

في أركان المنزل غرفة أخرى مخصصة لتخزين الخضروات في صورتها الأولية، عملية التخزين لم تكن سوى إلقائها على الأرض منتظرة دورتها في التقطيع والتخليل، وإضافة المواد الصناعية عليها مجهولة المصدر، ثم تعبأتها بشكل منظم داخل الأكياس البلاستيكية قبل توزيعها على أصحاب المحال التجارية. بحسب تأكيد صاحب المكان.

أغلب العاملين داخل ذلك العقار من صغار السن، ملابسهم متسخة، وأيديهم غير مطهرة لا ترتدي القفازات الوقائية. تحدثنا إلى أحدهم والذي كشف إنهم يعملون بلا ترخيص، ويستخدمون مواد صناعية لتلوين المخلل قبل بيعه.

"عمر"، شاب عشريني، يعمل في ذلك المكان منذ ثلاث شهور فقط، يؤكد أن مهمته هنا هي صبغ المخلل بألوان صناعية لإعطائه اللون الأحمر الدموي، فينتظر العاملين حتى ينتهوا من تجميع المخلل، وإضافة الأملاح حتى يأتي دوره.

يقول: "لا بد من استخدام ألوان صناعية لأن بعض قطع الخضروات التي تستخدم في التخليل تكون منتهية الصلاحية، وتعتبر بواقي يتم جلبها في نهاية اليوم في سيارات نقل داخل براميل من تجار الخضروات بأسعار رخيصة، نظرًا لاستغنائهم عنها".

بحسب الشاب، يقوم برفقة باقي العمال بإعادة تدويرها بالغسيل والأملاح المخصصة، ومن ثم تلوينها بالصبغات والألوان الصناعية، ولكل نوع خضار صبغة محددة تعطيه اللون المعتاد له.

الخيار والزيتون والجزر أبرز مكونات المخلل التي تتوافر ألوان صبغتها بالمصنع دائمًا، ويعتمد عمل "عمر" على الاهتمام الجيد بصبغ تلك المكونات، بحسب تأكيده على أنها الخطوة الأهم في مراحل إعداد المخلل.

لم تكن المواد الصبغية هي الضرر الوحيد في عملية تصنيع المخلل، ولكن الأملاح أيضًا وفقًا لرواية "عمرو" الذي يعمل في هذا المكان فإنهم يستخدمون أملاح ذات تركيز صوديم عالي حتى يخفي أي طعم كريهه للخضروات منتهية الصلاحية.


مركز السموم: "صبغات المخللات تؤدي إلى أمراض سرطانية"


ضرر تلك المخللات على من يتناولها من المواطنين، لا يقف إلى حد التهابات المعدة والنزلات المعوية فقط، ولكن وصلت في بعض الحالات إلى حد التسمم والإصابة بأمراض سرطانية، بحسب تأكيد الدكتور محمود عمرو، أستاذ السموم بالمركز القومي للسموم.

يؤكد أن تلك المحلات لا توجد رقابة عليها أو ترخيص يمنحها حق إنتاج غذاء مطابق للمواصفات الصحية، لاسيما المحلات الموجودة في المناطق النائية كالصعيد والأقاليم، لا توجد عليها رقابة في اختيار المواد التي تدخل في تصنيع المخلل.

"الخضروات المستخدمة في تلك المحال تكون من بواقي الأسواق الكبيرة، وأسعارها زهيدة بسبب ذلك"، يقولها أستاذ السموم مؤكدًا أن الخضروات تكون منتهية الصلاحية، ويضاف إليها ألوان صناعية وصبغات من الدرجة الثالثة أو الرابعة وليس الأولى.

دكتور محمود يوضح أن تلك الألوان ليس لها صلاحية وبعضها تم حظر استخدامه مثل "النيترزامين" لأنه مادة مسرطنة محظورة لازالت تستخدم في تصنيع المخلل بمصر، وهي مواد رخيصة الثمن تحافظ فقط على صلاحية المنتج لأطول فترة ممكنة.

التموين: "نحاول غلق كل مصانع المخلل المغشوشة"


أيمن حسام الدين، مساعد وزير التموين لشئون التجارة الداخلية، يقول أن وزارة التموين تعمل على ضبط المصانع غير المرخصة والتحفظ عليها طوال الوقت، من خلال البلاغات المقدمة، وتحرير المحاضر اللازمة ضد أصحاب المصانع المستفيدين بالغش التجاري.

وعن مصانع المخلل المغشوشة تحديدًا، يوضح "أيمن" أن هذا الشأن من اختصاص المهندس "عبد المنعم خليل"، مدير عام المنتجات الحيوانية بوزارة التموين والتجارة الداخلية، وبتواصلنا معه، أكد أن
الفترة الأخيرة شهدت جهد كبير من قبل رجال وزارة التموين، بالتعاون مع أقسام الشرطة في مداهمة المصانع المزيفة وضبط كميات كبيرة من المخلل المغشوش الذي أُثبت ضرره على المستهلك بعد تحليله.

وحث المهندس "خليل" المواطنين على شراء المخلل من المحال التجارية الكبيرة فقط وبفاتورة رسمية، كما يجب معاينة المخلل قبل تناوله مثل الضغط بالأصبع على الزيتون لكشف إن كان مصبوغًا أم لا، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على مراقبة وتفتيش المطاعم دائمًا بالتعاون مع وزارة الصحة والطب البيطري لكشف أي منتجات غذائية فاسدة والتحفظ عليها فور.
ads
ads