السبت 25 يناير 2020 الموافق 30 جمادى الأولى 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

التنوير وحالة الاندماج الوطنى

الخميس 02/مايو/2019 - 07:55 م
طباعة

لعل من يتابع حالة الصراع والنزال بين أهل التشدد والتطرف مع أهل الفكر الإصلاحى والحداثى والتنويرى، يرى التأكيد على أهمية الدفع الفعلى بمقومات وآليات صياغة العقل العام للجماهير، وما يمكن به تشكيل حالة تنويرية شاملة للمجتمع، وذلك لإحداث معالجات موضوعية وعلمية، للتعامل مع أصحاب الاستخدامات السلبية الاحتكارية لفهم الأديان وتعاليمها، إلى حد لى عنق الآيات وتطويعها لبناء سلطان كاذب لهم، يمنحهم الحق الوهمى فى البطش بحال السلام الإنسانى الذاتى للناس، ومناخ السلام والحب والتواد والتواصل فيما بينهم.
إن الكم الهائل المطروح والمشاع من الأفكار المتطرفة والسوداوية عبر كتيبات صفراء، أو نشر عبارات تتسلل لدور العلم والتعليم وساحات الثقافة وبرامج الإعلام العامة منها والدينية، بل ومن خلال جيوش وكتائب إلكترونية باتت تصادر على حق أصحاب مساحات إيجابية فى ممارسة التواصل المعرفى والإنسانى الحضارى بين مستخدمى تلك الوسائط والآليات الحديثة.. هذا الكم الهائل المتنوع الأشكال والمتعدد الأغراض والمآرب الشيطانية بات يشكل حجر عثرة فى سبيل نجاح كل الجهود الفردية والجماعية لإعداد خطاب منهجى علمى شامل موضوعى واقعى للتنوير والتقدم فى كل المنطقة للأسف!!!.
ولا شك، أن العقل النقلى النمطى تحت مظلة وحماية إرث هائل من التهويمات الخادعة بترويج روحانيات آسرة لعقول ووجدان البسطاء منا، باتت تفصلنا وتبعدنا عن الانحياز لمنهج التفكير البحثى الصادق فى أسانيده ومراجعه الفكرية؛ لنصرة ورفع كفة التفكير الارتجالى الجاهل، مما يدفع فى اتجاه قبول الذهاب إلى أوراق وتفهمات أهل عصور سحيقة عاشوا محددات وظروف دنيا مختلفة تمامًا عن دنيا الناس وأحوالهم الآن، بل وتقديس وتعظيم الماضى ورموزه وإنتاجهم الفكرى والإنسانى ورفع مكانته، رغم أنه يمثل فى النهاية منتجًا بشريًا قابلًا للمراجعة والجدال!.
ولعل من أبرز النتائج السلبية التى خلفها ذلك الكيان السرطانى المخيف لقوى جماعات الإرهاب والتخلف عبر وجودهم بيننا بعناصرهم وقياداتهم المتطرفة، هى خلق أشكال من التمايز بين الناس فى المظهر والملابس ودرجات الإيمان الدينى والتقاليد، بل ولغات التخاطب، ثم إقحام الدين فى كل شئون الحياة (اقتصاد دينى، ملابس شرعية، إدارة دينية، تعليم دينى، ثقافة وإعلام دينى..، وفى المقابل المطالبة بــ«سينما نظيفة» ولا تسألنى المعنى والهدف، وكمان إطلاق فتاوى التحليل وتحريم ممارسة العديد من الفنون.. فينزوى شباب الإبداع وأصحاب الذائقة النقدية ويحرمون من مساحات الإبداع المستقل، وحق المبادرة والسبق الفنى والتميز الجمالى.
فى حديث قديم نُسب إلى رئيس الوزراء البريطانى الأسبق «تونى بلير» قوله: «فى معظم الأديان بعدان متنافسان: البعد الأول إقصائى، بمعنى إيمانى فى مواجهة إيمانك، وهنا علّة التطرف. وبُعد آخر تضمينى، ويتجلى فى مدّ اليد إلى الآخرين والانفتاح عليهم، وبدلًا من أن يكون الإيمان مصدرًا للانقسام والنزاع، ثمة جانب آخر غالبًا ما لا يجيد عالم الدين إبرازه، وهو جانب التعاطف والتكافل والعدالة الاجتماعية.
وعليه، أرى أن عمق وجدارة وسمو التوجه الفكرى دون صياغات تقعيرية ـــ لا يتعارض مع سهولة التلقى والتماهى معها، لو تعمدنا تبسيط مبادئ العقلانية وأفكار دعم حالة التواد والمحبة والترفق، وقبول الاختلاف والتعدد والإيمان بالإنسان وحرياته...، إنها مهمة فكرية تستحق أن يُبذل من أجلها الكثير من الجهد وحشد كل الإمكانيات المادية والبشرية.
تعالوا نهاجر عالم القوالب التقليدية لإنتاج خطط إصلاح ما فسد بعقد المنتديات وورش العمل والملتقيات والصالونات الثقافية فى الغرف محدودة المساحة المكانية وضيقة الأفق الفكرى إلى ساحات الممارسة والتجريب والتفاعل الإنسانى.. فليكن حضورنا فى مواقع وضع المناهج المدرسية.. تعالوا معًا صوب استوديوهات الإنتاج السينمائى والدرامى.. وفى مواقع الدرس والوعظ والإرشاد الدينى.. وغيرها من مواقع التفاعلات النفسية والتربوية والفكرية، ضمن إطار عام للعمل المشترك لدعم خطاب متفق على أهدافه وآليات تحقيقه، فلا نجد ما يتم من إصلاحات فى قطاع ما تفسده توجهات وآليات العمل فى قطاع آخر.
تعالوا إلى الاتفاق على عقد اجتماعى جديد يضمن حالة صلح جادة بين أهل الإصلاح والتنوير وكل القائمين على أمر كل مؤسسات التنشئة والتربية والتعليم والثقافة والمؤسسات الدينية والخيرية والاجتماعية بعزم ونية لإدارة التغيير بحماس وحيادية من أجل حالة اندماج وطنية.