الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
ads
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

رواية اللص باراباس العالمية«1-2»

الثلاثاء 16/أبريل/2019 - 07:13 م
طباعة
الرواية مستمدة بكل دقة وأمانة من قصة باراباس قاطع الطريق الذى أُطلق سراحه أثناء صلب السيد المسيح وذلك كما وردت فى الكتاب
كتب الروائى السويدى «بار-لاجيركفيست» «١٨٩١-١٩٧٤» Par -Lagerkvist شعرًا عشقه الناس، ولانتشاره الواسع فإن طلبة المدارس من السويديين والأجانب- وبينهم كثيرٌ من العرب- يعرفون تفاصيل مهمة عن حياة وأعمال هذا الأديب. ومن أعماله الرائعة رواية بعنوان «باراباس» Barabbas، كتبها عام ١٩٥٠، وهى قصة قاطع طريق اُطلق سراحه أثناء صلب السيد المسيح، وهى الرواية التى منحت بار- لاجيركفيست جائزة نوبل للآداب عام ١٩٥٩.
على مدى حلقتين سوف أقدم عرضًا موجزًا لهذه الرواية الرائعة بمناسبة احتفال العالم المسيحى كله بتذكار آلام السيد المسيح، والتى تبدأ من الأحد ٢١ أبريل ٢٠١٩ «حيث دخول السيد المسيح مدينة أورشليم» وتستمر لمدة أسبوع بالكامل. لقد استطاع الروائى المبدع أن يعرض فى الرواية اللغز الذى يواجه الإنسان ويعرض فيها مصيره والجوانب المتناقضة لمأساته. والرواية مستندة- بكل أمانة ودقة- على قصة اللص باراباس، كما وردت فى الكتاب المقدس فى إنجيل القديس متى الإصحاح ٢٧ وقد وردت هكذا: «وكان الوالى معتادًا فى العيد أن يُطلق للجميع أسيرًا واحدًا من أرادوه. وكان لهم حينئذ أسير مشهور يُسمى باراباس. ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس مَنْ تريدون أن أطلق لكم: باراباس أم يسوع الذى يُدعى المسيح. لأنه علم أنهم قدموه للحُكم حسدًا. وإذ كان جالسًا على كرسى الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة إياك وذلك البار. لأنى تألمت اليوم كثيرًا فى حلم من أجله. ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرّضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع. فأجاب الوالى وقال لهم مَنْ من الاثنين تريدون أن أُطلق لكم. فقالوا باراباس. قال لهم بيلاطس فماذا أفعل بيسوع الذى يُدعى المسيح. قال له الجميع ليُصلب. فقال الوالى وأى شر عمل. فكانوا يزدادون صراخًا قائلين ليُصلب. فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئًا، بل بالحرى يحدث شغب، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلًا إنى برىء من دم هذا البار. أبصروا أنتم. فأجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا. حينئذ أطلق لهم باراباس. وأما يسوع فجلده وقدمه للصلب».
ورواية «باراباس» العالمية والمؤثرة، والتى تم إعداد فيلم لها عام ١٩٦٢ تتلخص فى الآتى:
الكل يعرف من كانوا مُعلقين هناك فوق الصلبان، ومن الذين وقفوا متجمعين حوله: مريم أمه، ومريم المجدلية، وفيرونيكا، وسمعان القيروانى الذى حمل الصليب، ويوسف الرامى الذى كفنه. لكن ثمة رجلًا كان يقف بعيدًا بعض الشىء عند أسفل المنحدر مائلًا إلى ناحية، وقد تسمرت عيناه على الرجل الذى يجود بأنفاسه فى الوسط، وظل يراقب آلام موته منذ اللحظة الأولى حتى النهاية. كان اسمه باراباس، كان يناهز الثلاثين، متين البنيان، بشرته شاحبة، ولحيته محمرة، وشعره أسود. كذلك كان حاجباه أسودين، أما عيناه فغائرتان جدًا. وكان هناك تحت إحدى العينين جرح غائر يختفى عن الأنظار داخل لحيته، غير أن مظهر الإنسان ليس ذى بال.
كان قد تبع الجموع خلال مرورها بالشوارع، منذ أن بدأت سيرها من قصر الحاكم، لكنه كان يسير وبينه وبينها مسافة، كان يختفى وراء الآخرين إلى حد ما. ولما انهار المصلوب- المنهوك القوى- تحت وطأة صليبه، توقف باراباس ولبث فترة لا يتحرك، حتى لا يلحق بالصليب. وحينئذ أمسكوا بالرجل الذى يُدعى سمعان القيروانى، وأجبروه على أن يحمل هو الصليب. ولم يكن الحشد يضم كثيرًا من الرجال، باستثناء الجنود الرومان بالطبع. كان معظم الحشد يتألف من النسوة اللائى أخذن يسرن وراء الرجل المحكوم عليه، وقطيع من الصبية الذين كانوا يظهرون دائمًا كلما أقتيد أحد فى شوارعهم تمهيدًا لصلبه. كان هذا المشهد من باب التغيير بالنسبة لهم، لكن سرعان ما سئموه وعادوا إلى ألعابهم، متوقفين قليلًا ليحملقوا فى الرجل ذى الجرح الغائر الطويل، الذى كان يسير وراءه الآخرون. وها هو ذا الآن يقف فوق التل الذى انتصبت عليه المقاصل محملقًا فى الرجل المعلق على الصليب القائم فى الوسط، عاجزًا عن انتزاع عينيه عنه!! والواقع أنه لم يرد قط أن يجىء إلى هنا، فكل شىء هنا غير نظيف يحمل معه العدوى. فالجماجم والعظام متناثرة فى كل مكان، إلى جانب الصلبان التى سقطت وتآكلت، ولم تعد لها فائدة، ومع ذلك ظلت هناك متروكة، إذ لا أحد يجرؤ على لمس شىء. وتدلى رأس الرجل المصلوب، وأخذ يتنفس بصعوبة بالغة. بعد لحظات ينتهى كل شىء. لم تكن هناك أى سمة من سمات القوة فى هذا الرفيق. كان جسده هزيلًا نحيلًا، وكانت ذراعاه نحيفتين وكأنهما لم تُستخدما فى شىء قط. يا له من رجل غريب! أما اللحية فكانت قليلة الشعر، والصدر كان خاليًا منه وكأنه صدر صبى.
منذ اللحظة التى رآه فى فناء دار الوالى وهو يحس بأن ثمة غرابة تكتنفه. ما طابع هذه الغرابة؟ إنه لا يدرى. كل ما فى الأمر أنه يحس بها. وهو لا يذكر أنه التقى من قبل شخصًا مثله. ولكن قد يكون السبب فى هذا الإحساس أنه خرج لتوه من الزنزانة، وأن عينيه ظلتا تستغربان الضوء الباهر، من أجل هذا بدأ له الرجل، حين النظرة الأولى، وكأن ضياءً يخطف البصر يحيط به. وسرعان ما اختفى هذا الضياء بالطبع، وأصبحت رؤيته طبيعية مرة أخرى، وأصبح يلمح أشياء أخرى بجانب ذلك الجسد الذى يقف وحيدًا فى الفناء. ومع ذلك ظل يحس أن ثمة شيئًا جد غريب فيه، وأنه لا يشبه أى إنسان آخر، وبدا من غير المعقول بالمرة أن يكون قد سُجن، وأن يُحكم عليه بالإعدام، مثلما حُكم عليه هو. أنه لا يستطيع أن يتصور هذا. ليس معنى ذلك أن الأمر أهمه، لكن كيف يصدرون حُكمًا كهذا؟ من الواضح أنه برىء. وهم قد اقتادوا الرجل بعد ذلك إلى الخارج ليصلبوه، أما هو ففكوا أغلاله وأبلغوه أنه حُر. ليس له يدُ فى هذا. هم الذين قرروا. كان لديهم مطلق الحرية فى اختيار ما يشاءون. ولقد تصادف أن جاءت النتيجة على هذا النحو. لقد حكموا على الاثنين بالموت، على أن يُطلق سراح أحدهما بعد ذلك. ولقد انتابته دهشة بالغة حينما وقع الاختيار عليه كى يصير حُرًا، وبينما هم يحررونه من أغلاله إذ لمح الرجل الآخر يحيط به الجنود، ويختفى من خلال البواكى، وقد حمل صليبه على ظهره.
التكملة فى الحلقة المقبلة.
ads
ads

ads