الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
ads
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فى ذكرى أشهر مرتلى الكنيسة القبطية

الثلاثاء 09/أبريل/2019 - 05:26 م
طباعة
«المرتل» أو «أبصلتس» باليونانية أو «العريف» فى الكنيسة القبطية بمثابة القناة التى تنساب من خلالها ألحان وتسابيح الآباء إلى الأبناء، وهو حلقة الوصل بين جيلين، وهو الحارس على ألحان الكنيسة وتسابيحها. لذلك بقدر ما كان المرتل أمينًا فى إتقان وتسليم الألحان، يكون التراث الكنسى نقيًا وسليمًا وخاليًا من أى شوائب.
يشهد كل العلماء والموسيقيين أن الموسيقى المصرية القديمة ما زالت ماثلة أمامنا حاليًا فى صورتين: إحداهما تتمثل فى حياة الناس العامة، لاسيما فلاحى مصر ومصر العليا بصفة خاصة ممن عاشوا حتى اليوم بعيدًا عن المؤثرات الوافدة وبقيت لهم أغانيهم بترنيماتها على صورة لم تبعد كثيرًا عما كانت عليه فى الماضى البعيد، والأداء هو الأقرب إلى ما كان. والأخرى تتمثل فيما لا يزال يتردد بين أرجاء الكنائس القبطية على ألسنة المرتلين والشعب، يؤدونه كما وعوه ولقنوه، فمسيحيو مصر مصريون ورثوا عن آبائهم الفراعنة موسيقاهم، وهذا ما جعل الشعب الواعى يرفض أى موسيقى دخيلة على موسيقاه وكان الحراس فى ذلك جماعة المرتلين بأمانتهم الكاملة وإخلاصهم لكنيستهم ووطنهم. ففى حرصهم على المحافظة على تراث الآباء هو حفظ لتراث مصر بصفة عامة والكنيسة بصفة خاصة. واليوم نعرض أعمال أشهر مرتلى الكنيسة القبطية فى القرن العشرين فى ذكرى رحيله.
وُلد المرتل ميخائيل جرجس البتانونى فى ١٤ سبتمبر ١٨٧٣م بمدينة القاهرة، وينتمى إلى عائلة ترجع فى نشأتها إلى بلدة البتانون بمحافظة المنوفية. كان والده موظفًا فى الحكومة فى قلم الأمور المقررة، وكان على صلة وثيقة بالبابا كيرلس الخامس «١٨٧٤- ١٩٢٧» البطريرك ١١٢، منذ أن كان راهبًا فى دير البراموس باسم «القمص يوحنا الناسخ». فى سن الخامسة فقد بصره، وفى سن السادسة التحق بكُتَّاب «أبوالسعد» بشارع الجبرتى بحى الأزبكية، وفيه تعلم اللغة القبطية وحفظ المزامير والتسبحة الكنسية، وفى هذا الكُتَّاب قضى سنين حتى عام ١٨٨١، بعدها قضى أربع سنوات «١٨٨١-١٨٨٥» بمدرسة الأقباط الكبرى بالأزبكية التى أنشأها البابا كيرلس الرابع «١٨٥٣-١٨٦١» البطريرك ١١٠ والمعروف بأبى الإصلاح الكنسى. لتعلم اللغة العربية التحق عام ١٨٨٥ بالأزهر ودرس اللغة كمستمع وظل به حتى عام ١٨٩١، وفى هذه الفترة درس علوم الصرف والنحو والبيان، كما استمع إلى شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
فى عام ١٨٨٦ أقامه البابا كيرلس الخامس شماسًا، وفى عام ١٨٩١ عينه البابا كيرلس الخامس مرتلًا بالكاتدرائية المرقسية بالأزبكية بمرتب شهرى قيمته ٢٥ قرشًا. فى عام ١٨٩١ التحق بالإكليريكية وظل بها حتى سنة ١٨٩٣ حينما عينه البابا كيرلس الخامس مدرسًا للألحان بها وكان ناظرها فى ذلك الوقت يوسف بك منقريوس. درس العلوم اللاهوتية على يد العلامة القمص فيلوثاؤس إبراهيم، كبير كهنة الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية الذى كان يُعد مرجع زمانه فى الأمور اللاهوتية والعقائدية. أما الألحان فيرجع سر إتقانه لها أنه كان يختبئ تحت «الدكة» مستمعًا إلى أشهر مرتلين للألحان الكنسية فى ذلك الوقت وهما المرتل أرمانيوس والمرتل صليب حين كانا يراجعان الألحان الكنسية، ولكنهما كان بخيلين فى تسليمها للغير، وعلى العكس منهما، كان المرتل ميخائيل يُسَر حين يسمع ألحانه الفريدة يتناقلها تلاميذه من البطاركة والأساقفة والكهنة والشمامسة والمرتلين.
فى عام ١٨٩٤ أنشئت مدرسة المكفوفين بالزيتون وأُسند فيها إلى المرتل ميخائيل بتدريس طقوس الكنيسة والدراسات اللاهوتية واللغتين القبطية والعربية، وكان يدَّرس اللغة العربية على حروف «برايل» البارزة، كما قام بنفسه بصنع حروف اللغة القبطية على طريقة برايل ليستعين بها فى تدريس القراءة باللغة القبطية. فى عام ١٩٠٣م زار الخديو عباس حلمى مدرسة المكفوفين بالزيتون، فألقى المرتل ميخائيل البتانونى قصيدة باللغة القبطية ثم ترجمها للغة العربية ولقن تلاميذه نشيدًا أنشدوه وقتها، فأبدى الخديو سروره الشديد بالمرتل ميخائيل وقال له: «برافو يا ميخائيل بك» وبذلك مُنح رتبة البكوية التى كان ينتظرها الكثير.
كانت له غيرة حقيقية على تراث الكنيسة، فكان يتنقل بين الجمعيات لتعليم كل من يرغب ذلك وقد كانت الألحان الكنسية تُبعث من أعماقه فى تقوى وخشوع، وكان اللحن ينساب منه فى صوت شجى وقوى دون تلاعب بالأصوات أو الغناء، لأن الصلاة فى الكنيسة يجب أن تكون نابعة من القلب. ويذكر د. يوسف منصور- رئيس شمامسة الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية- أنه فى الأحد السادس من الصوم الأربعينى المقدس المعروف باسم «أحد التناصير» أو «أحد المولود أعمى»، كان المرتل ميخائيل يحرص على قراءة إنجيل القداس باللغة العربية بصوت مؤثر جدًا ملىء بالخشوع والروحانية إذ كان يحفظه عن ظهر قلب، مما كان يلهب قلوب سامعيه.
كان يعتبر نفسه وكيلًا على أمانة يريد أن يسلمها دون نقصان، لذلك نجده فى شيخوخته وقد بلغ من العمر ٨٣ عامًا «أى فى عام ١٩٥٦» ذهب إلى القمص صليب سوريال «كاهن كنيسة مار مرقس بالجيزة وسيم كاهنًا عام ١٩٤٨» وصعد إلى الدور الرابع بمنزله بالجيزة وظل يراجع معه ألحان أسبوع الآلام لمدة ٣ ساعات متواصلة.
ومن صدق محبته لكنوز الكنيسة كان يرفض أى أجر، إذ كان يكتفى بمبلغ ١٥ جنيهًا مرتب البطريركية من «١٨٩٣- ١٩٥٧م»، لأن المواهب الكنسية لا يمكن تقديرها بالمال، لأنها عطية من الله ويجب على الإنسان أن يكون أمينًا عليها ويشكر الرب عليها ويقدمها للغير حُبًا فى التراث الكنسى العريق. عمل مع الدكتور راغب مفتاح- رئيس قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية- فى تسجيل معظم ألحان الكنيسة منذ عام ١٩٢٧، وقام العالم الموسيقى «أرنست نيولاند سميث» بتدوين ألحان الكنيسة على النوتة الموسيقية مباشرة من أداء المعلم ميخائيل. وظل المعهد أمينًا على تراث المرتل ميخائيل البتانونى حتى بعد رحيل د. راغب مفتاح عندما تولى رئاسته أحد تلاميذ د. راغب مفتاح. قام المرتل ميخائيل بتدريس الألحان بمعهد الدراسات القبطية «الذى أسسه د. عزيز سوريال عطية وافتتح عام ١٩٥٤» والكلية الإكليريكية، كما كان يصطحبه د. راغب مفتاح إلى مقره الصيفى الخاص بضاحية أبى قير بالإسكندرية لتسليم ألحان الكنيسة للمرتلين.
عاصر أربعة من باباوات الكنيسة القبطية وهم: البابا كيرلس الخامس «١٨٧٤- ١٩٢٧» البطريرك ١١٢، البابا يؤانس التاسع عشر «١٩٢٨-١٩٤٢» البطريرك ١١٣، البابا مكاريوس الثالث «١٩٤٤- ١٩٤٥» البطريرك ١١٤، البابا يوساب الثانى «١٩٤٦ -١٩٥٦) البطريرك ١١٥. فى صباح خميس العهد ١٨ أبريل ١٩٥٧ انتقل بهدوء إلى مواضع الراحة الحقيقية.
ads
ads
ads