الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440
ads
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

بعض من رموز التنوير بالأزهر والكنيسة

الخميس 04/أبريل/2019 - 07:48 م
طباعة

حين قامت دولة الرومان على البطش والحرب، وقامت دولة الإغريق على تقسيم المجتمع إلى سادة وعبيد، قامت حضارة مصر- كما تقول د. نعمات أحمد فؤاد- على الثقافة يأخذها ويعطيها كل ميسر لها، وكم من عظماء الكُتاب والحكماء فى مصر، خرجوا من صميم الشعب.. وعلى رأس هؤلاء «أيمحتب» أول شخصية موسوعية فى العالم. لقد كتب: «مجد مصر، المصريون جميعًا». فالملك «خيتى» ينصح ابنه: «لا ترفع ابن الرجل العظيم على ابن الرجل المتواضع، بل قرب إليك الإنسان حسب كفاءته الشخصية».
حين عاد «حور محب» من حروبه منتصرًا، وأراد المثّال المصرى أن يصنع له تمثالًا يُمثّل الملك الإمبراطور القائد المظفر، طلب إليه «حور محب» أن يكون تمثاله على هيئة الكاتب المصرى، فى إحساس عميق ودقيق بما للكتابة من معانٍ وهالات. كان المصرى القديم على وعى بالترابط الوثيق بين الكتابة والحكمة. فمن يملك الحكمة يكتب، ومن يكتب فهو حكيم. ومن هذا المنطلق برز من بين أبناء الأزهر الشريف ومن بين أبناء الكنيسة القبطية- فى العصر الحديث- من كانوا ممتلئين بالحقيقة من الحكمة فصاروا رموزًا للتنوير فى جيلهم. والذى يحمل مصباح المعرفة يبدد ظلام الجهل.
يأتى على قائمة المجددين من الأزهر الشريف الشيخ محمد عبده «١٨٤٩- ١٩٠٥م» فهو أحد كبار المثقفين الذين وقفوا بفكرهم وعملهم مع رواد يقظة الوطنية المصرية، ويُعد المؤسس الحقيقى لمدرسة إحياء الاجتهاد الفقهى- كما يقول الأستاذ سامى خشبة- وقد جمع فى اجتهاداته بين مناهج الإمام أبى حنيفة والإمام الشافعى والإمام مالك ولم يقّيد نفسه بمذهب أو فقه واحد منهم. وبذلك خطا خطوة كبرى نحو تحرير العقل الإسلامى وإحياء مدرسة الاجتهاد بعد خطوة الشيخ الإمام حسن العطار فى أواخر القرن ١٨ الميلادى. نجد أيضًا الشيخ مصطفى عبدالرازق «١٨٨٥-١٩٤٧م» مجدد الفلسفة الإسلامية فى العصر الحديث- كما يقول الأستاذ سامى خشبة- وصاحب أول تاريخ لهذه الفلسفة يُكتب فى العربية على الإطلاق، ومؤسس المدرسة الفلسفية «المصرية العربية» الخالصة التى أقامها على أساس فكرته الرئيسية عن نشوء الفلسفة الإسلامية من قلب الدين والعلوم الدينية، وخاصة علم أصول الفقه باعتباره علمًا عقليًا استهدف إقامة الأحكام الفقهية عن طريق النظر العقلى والمقارنة بين النصوص المقدسة والحالات الواقعية وباستخدام منهج الاستقراء العلمى. أيضًا المفكر الإسلامى المصرى التجديدى الكبير أمين الخولى «١٨٩٥- ١٩٦٦» وثانى اثنين من تلامذة الإمام محمد عبده «مع الشيخ أحمد أمين» فى حمل مسئولية تجديد العقل الإسلامى- كما يقول الأستاذ سامى خشبة- وإحياء تقاليد الاجتهاد فى إطار الأسس المرجعية التى أرساها أئمة السلف، وأيضًا فى ضوء المكتسبات المعرفية العلمية والمنهجية الجديدة التى تحققت فى العصر الحديث، وذلك من خلال انشغاله بخمسة محاور فكرية ومعرفية هى: المنهج والشريعة أو القانون والتاريخ أو التفكير فى الماضى وتفسيره واللغة بوصفها الأداة الرئيسية التى يعبر بها الإنسان عن معرفته بالعلم، ثم التعبير عن الذات الإنسانية فى شكل الأدب بمدلوله الواسع من الشعر إلى الفلسفة.
ثم إذا انتقلنا إلى آباء الكنيسة القبطية يأتى فى مقدمتهم- فى العصر الحديث- البابا كيرلس الرابع «١٨١٦- ١٨٦١م» البطريرك ١١٠ والذى يحمل لقب «أبوالإصلاح»، فمنذ أن تسلم شئون الكنيسة فى عام ١٨٥٣م وجه اهتمامه نحو نشر التعليم بين أبناء الكنيسة. فقام بتشييد مدرسة علمية كبرى لتعليم النشء القبطى العلوم والمعارف وتثقيفهم ثقافة عصرية ممتازة، وجمع أبناء الكنيسة وتعهدوا بالاكتتاب بقيمة المصاريف اللازمة لإنشـاء هذا المعهد العظيم أساس النهضة الحديثة بين الأقباط وقام بالصرف عليه من أوقاف الدار البطريركية. وفى أقل من عامين كان قد أتم بناء هذا المعهد لافتتاحه فى ١٨٥٥م وتابع هذا بوضع نظام إدارى لهذا المعهد وكانت الدراسة فيه مجانية مع صرف الأدوات المدرسية والكتب مجانًا أيضًا وقبِل فى هذا المعهد كل من رغب فى التعليم دون تمييز بين الأجناس أو الأديان أو المذاهب. وأيضًا فتح مجال التعليم للفتاة لأول مرة، وأحضر أول مطبعة أهلية لطباعة الكتب الكنسية وكتب المدارس القبطية ليحد من الأخطاء التى تتابعت فى الكتب المنسوخة وحتّم أن تؤدى الصلوات باللغة القبطية فى الكنائس. كما أعاد استخدام التقويم المصرى الذى كان قد انحصر على الزراعة ولكن فى أيامه عادوا إلى استخدامه من ٧ يوليو ١٨٥٥م وظل مستعملًا حتى أول سبتمبر ١٨٧٥م. يجىء بعد ذلك البابا كيرلس السادس «١٩٠٢- ١٩٧١م» البطريرك ١١٦، الذى فى خلال فترة رهبنته شجع الشباب الجامعى على الانخراط فى السلك الرهبانى للنهوض بالأديرة القبطية وأيضًا بحال الكنيسة.
كما شجع مجموعة من الشباب الجامعى بالإسكندرية على تأسيس جمعية ثقافية للنهوض بالدراسات القبطية، فتأسست جمعية مار مينا العجايبى فى نوفمبر ١٩٤٥ فكانت رسائلها الثقافية بداية النهضة الفكرية والثقافية بالإسكندرية وعلى أساسها تأسس المعهد العالى للدراسات القبطية بالقاهرة فى يناير ١٩٥٤. أيضًا اهتم بإحياء المدينة الرخامية القابعة بصحراء مريوط، فأعاد الحياة إلى المنطقة وأسس دير مار مينا العجايبى بمريوط. وفى عام ١٩٦٩ طلب من أعضاء جمعية مارمينا الاهتمام بترجمة ونشر كتاب «المرجع فى قواعد اللغة القبطية» الذى تتلمذ عليه طلاب كليات الآداب بالجامعات المصرية، وقد تحمل قداسته جميع نفقات طباعة الكتاب. ثم نذكر بكل تقدير الدور الثقافى والتعليمى الذى قام به البابا شنودة الثالث «١٩٢٣- ٢٠١٢م» فى الاهتمام بالتعليم منذ شبابه المبكر عندما تولى رئاسة تحرير مجلة «مدارس الأحد» عام ١٩٤٩ التى كانت- وما زالت- الصوت الناطق بالحق فى القوانين والتشريعات الكنسية، ثم فى فترة رهبنته بدير السريان اهتم بنسخ المخطوطات وتنظيم مكتبة الدير وإحضار مطبعة خاصة بالدير، ثم فى فترة أسقفيته للتعليم اهتم بتوعية الشعب ثقافيًا عن طريق المطبوعات المبسطة، وفى فترة بطريركيته أصدر العديد من المؤلفات.
تلك نماذج لرواد عظماء أعطوا لمصر بسخاء وبفكر مستنير، وعلى أيديهم تتلمذ العديد من الشباب المصرى الواعى القادر على مواجهة أفكار الجهل والتطرف والانغلاقية والردة إلى عصور الظلام. مصر أُم ولود وستظل تُنجب بنين صالحين مخلصين لتراب هذا الوطن الغالى.
ads
ads

ads