رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ملفات أمام وزير النقل


استحوذ ملف السكة الحديد على اهتمام الدولة، وفى كل مرة تحدث كارثة سكة حديد يُقال وزير النقل. ويأتى وزير متحمس، ويظل الإعلام يشيد بكفاءته، حتى يتلاشى تمامًا كل اهتمام، وتحدث واقعة جديدة ويطاح به.
أصبحت السكة الحديد هاجس كل وزير، مع أنه كان يمكن إسناد إدارتها إلى شركة عالمية، أو إدارتها بطريقة الإدارة بالأهداف، أو إحدى الطرق الحديثة فى الإدارة، وإخراجها من المنظومة الحكومية.
الواقع أن هناك ملفًا أخطر من ملف السكة الحديد ينبغى الاهتمام به، وهو ملف التنقل بين مدن الصعيد والمدن المصرية البعيدة عن القاهرة بوجه عام.
فلا يزال شريان الطرق الرئيسى الذى يربط كل مدن الصعيد بالقاهرة المعروف بالطريقين الزراعى أو الصحراوى، مفتوح الفم، لالتهام المزيد من أبناء الصعيد فى سياراتهم أو حتى أثناء سيرهم فى هذا الطريق، فلا يكاد يمر يوم دون وقوع حادث جسيم يطيح بالعشرات. الطريق ضيق، وتقع على جانبيه معظم القرى والمراكز. والإضاءة الليلية فيه، حسب التساهيل، وفضلًا عن ذلك فإن الطريق لم يعد يتسع لمواكبة النمو المطرد فى السكان.
وما ينطبق على الصعيد ينطبق أيضًا على الملايين من المصريين المقيمين فى الأقاليم الأخرى، بعيدًا عن سكان العاصمة والإسكندرية والسويس والمحافظات التى ما زالت تعانى من ظاهرة النمو السكانى البشع. الحق أنا لا أنوب عنهم، فلديهم النواب البرلمانيون المنتخبون، ولكننى للدقة فقط أتحدث عنهم، وربما أكون دقيقًا أكثر، أنا أكتب عما أشاهده من خلال المعايشة والمعاناة فى السفر بين المدن.
السفر والتنقل بين المدن فى الصعيد، يتم بوسيلتين ولا ثالث لهما، هما القطار والميكروباص. القطارات لا تستوعب ربع حركة الركاب بين المدن، لأنها ربما كانت غير متاحة فى كل الأوقات، وعدم توقفها ببعض المدن.
الناس مجبرون على الانتقال لعاصمة الإقليم، رغم بُعد المسافة، سواء لمراجعة الأطباء، أو العلاج فى مستشفى الجامعة، أو متابعة القضايا فى العاصمة، أو الذهاب إلى الجامعة، أو ممارسة العمل فى دواوين الحكومة. وفى كل الحالات تظل المعاناة قائمة.
شركات أتوبيس الصعيد ضاعفت أسعارها، وخرجت من منظومة نقل الركاب بين الأقاليم، واقتصرت على الطرق الصحراوية، ونقل الركاب من وإلى القاهرة فقط. البضائع، والتى يركب الناس فيها من الخلف، ويحشرون فيها حشرًا.
سائقو الميكروباص تركتهم الدولة دون رقابة، وتركت ركاب الصعيد يعانون منهم، ومن بلطجتهم ورعونتهم واستغلالهم، وتحولت سيارة الميكروباص التى تسع بالكاد ١١ فردًا، لتسع ١٥ فردًا، وبعضهم صنعوا مقاعد أخرى غير المقاعد الأصلية، التى صنعت بالمنشأة يحشر الناس فى صندوقها قهرًا عنهم، لأنهم لا يجدون غيرها.
وربما أسهمت الدولة بشكل أو بآخر، فى تدليل هيئة السكة الحديد، عندما رفضت السماح لشركات النقل الجماعى، وشركات النقل الخاصة بالعمل فى الصعيد، أسوة بالقاهرة ومدن الشمال، وتركت الملعب أمام شركات الأتوبيس الحكومية وهيئة السكة الحديد.
لأجل هذا لا يجد أهل الصعيد بصفة خاصة أمامهم إلا قطارات هيئة السكة الحديد، ربما لأن القطار يجتاز كل مدن ومراكز ومحافظات الصعيد، وله أماكن انتظار معروفة وآمنة، ويتسع للكثير.
وبالرغم من أن أهل الصعيد دفعوا من أرواحهم الكثير، ثمن إهمال ورعونة الإدارة فى هيئة السكة الحديد، فى صورة حوادث متكررة ونمطية. إلا أنهم ما زالوا يدفعون من وقتهم وأموالهم ومصالحهم ثمن سوء الإدارة فى تلك الهيئة العريقة، التى أدارها الإنجليز فى منشئها الأول، ومع ذلك تبدو وكأنها تدار لأول مرة بأيدى مديرين لا خبرة لهم، ولا دراية.