القاهرة : الثلاثاء 19 فبراير 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الإثنين 11/فبراير/2019 - 11:12 م
ماجد حبته
ماجد حبته

وساوس قهرية أوروبية

dostor.org/2513668

تحذيرات من مؤسسات الاتحاد الأوروبى من تزايد أنشطة عملاء روسيا والصين فى بروكسل، عاصمة التكتل الموحد. وعواصم أوروبية أعلنت عن اكتشاف حالات تجسس لصالح روسيا. والمفوضية الأوروبية تعرب عن مخاوفها من وجود أنشطة استثمارية صينية لها طابع سياسى ومخابراتى.
أمام تلك التحذيرات، الاتهامات أو المخاوف، ليس أمامنا غير احتمالين: أن تكون الأنشطة المخابراتية الروسية الصينية تزايدت بالفعل، أو إصابة الأوروبيين بـ«وساوس قهرية»، جعلتهم تحت سيطرة نسخة متطورة من نظرية المؤامرة. والوسواس القهرى، أو الاضطراب الوسواسى القهرى، هو اضطراب نفسى، تحتل فيه فكرة معيّنة جزءًا من وعى المصاب. ومع أنه يدرك، بعقله الواعى، غرابتها أو عدم صحتها، إلا أنه لا يستطيع التخلّص منها، أو مقاومتها.
الاحتمال الأول، يدعمه تقرير نشرته جريدة «دى فيلت» الألمانية، السبت، نقلت فيه عن دبلوماسيين أوروبيين أن «وحدة العمل الخارجى الأوروبى» حذرت من وجود مئات عملاء المخابرات الروسية والصينية فى بروكسل، تم تقدير عددهم بـ٢٠٠ عميل روسى و٢٥٠ عميلًا صينيًا، معظمهم يعملون فى سفارات البلدين، أو ضمن أطقم سفارات دول تنتمى إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق. وعليه، تلقى الدبلوماسيون نصائح أو تحذيرات بتجنب التردد على أماكن معينة، أبرزها مطعم ومقهى قريبان من مبنى المفوضية الأوروبية الرئيسى ومقر وحدة العمل الخارجى الأوروبى. أما الاحتمال الثانى، فتتبناه روسيا والصين. وتؤكده وقائع عديدة.
للاتحاد الأوروبى مركز مخابراتى اسمه (EU INTCEN)، يتولى مهمة الإنذار المبكر بأى تهديدات عسكرية أو إرهابية محتملة. وتزويد فيديريكا موجيرينى، مفوضة الأمن والخارجية، بالمعلومات. غير أن أجهزة مخابرات دول الاتحاد لا تتعاون مع هذا المركز، وهناك دول، كبريطانيا وفرنسا، تحاول تخريب المركز بشكل ناعم. وربما كان آخر تعاون لأجهزة المخابرات الأوروبية، سنة ٢٠٠٣، حيت تعرض مقر المجلس الأوروبى فى بروكسل، لعملية تنصت دقيقة، خلال انعقاد اجتماع ضم رؤساء حكومات ووزراء. قبل أن تتمكن أجهزة الأمن من العثور على أجهزة تنصت صغيرة، فى أكشاك الترجمة، يتم التحكم فيها عن بُعد.
قيل إن تلك العملية كانت تستهدف نقل المناقشات الدائرة بين الوفود. ووقتها، توجهت أصابع الاتهام إلى الأمريكيين والإسرائيليين. صحيح، أنه ظل مجرد اتهام بلا دليل، لكن هناك قرائن عديدة أثبتت صحته، لم يكن أولاها ثبوت تنصت المخابرات الأمريكية على اتصالات ملايين المواطنين، داخل دول أوروبية وأمريكية جنوبية، وطبعًا داخل منطقة الشرق الأوسط. وكذا قيامها بالتجسس على اتصالات غالبية «إن لم يكن كل» زعماء دول العالم. كما لم يعد سرًا أن الولايات المتحدة تقود حربًا ناعمة على كل دول العالم عبر برامج تجسس كتلك التى كشفها إدوارد سنودن، الموظف السابق فى وكالة الأمن القومى الأمريكى.
لم تكن تلك أولى القرائن، كما لم تكن آخرها، اتهام أجهزة مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية بممارسة ضغوط على صحفيين لإجبارهم على التعاون معها، أو فى قولٍ آخر لـ«تجنيدهم». وهو الاتهام الذى جاء بشكل صريح وواضح فى بيان أصدرته السفارة الروسية فى واشنطن، ١١ يناير ٢٠١٨، أكدت فيه أن أجهزة المخابرات الأمريكية وبعض حلفائها، تواصل ضغوطها غير المقبولة، على صحفيين روس، لإقناعهم بالتعاون معهم. وقبل هذا الاتهام، الصريح والواضح، أعلنت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، فى ٦ ديسمبر ٢٠١٧، عن ممارسة أجهزة الأمن الأمريكية لما وصفته بـ«ضغط غير مسبوق» على وسائل الإعلام الروسية. وكان لافتًا أن تجتهد وكالة «سبوتنيك» الروسية وتترجم الاتهام الضمنى، إلى اتهام صريح فى عنوان الخبر «موسكو: أجهزة الأمن الأمريكية تحاول تجنيد وسائل الإعلام الروسية».
أمام تلك الوقائع أو القرائن، كان من المفترض أن تتخلى أجهزة مخابرات دول الاتحاد الأوروبى عن تنافسها أو تناحرها، وأن تتحد فى مواجهة عدوها المشترك، أو أعدائها المشتركين، المتحدين، التابعين للعدو «الشيطان» الأكبر. لكن بدلًا من ذلك، استجابت لوساوس ذلك الشيطان، وطالبت المفوضية الأوروبية، دول الاتحاد بفرض رقابة أكثر صرامة على عمليات استحواذ مستثمرين صينيين على الشركات الأوروبية. وفى تقريرها السنوى، الصادر منذ أيام، ذكرت المخابرات اللتوانية، أن أنشطة المخابرات الصينية «صارت عدوانية وتتنامى بوتيرة متزايدة».
النكتة الأكبر، هى أن الولايات المتحدة ما زالت تواصل تحذير حلفائها من أن استخدامهم معدات شركة «هواوى» سيجعل اتصالاتها تحت سيطرة السلطات الصينية. ونقلت وكالات الأنباء، الجمعة، عن مسئول أمريكى بارز، أن مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكى، سيزور المجر وسلوفاكيا وبولندا، قبل التوجه إلى بلجيكا وأيسلندا، وأنه سيركز فى المجر، بشكل خاص، على طرح المخاوف الأمريكية من سماحها لعملاق التكنولوجيا الصينية بالتواجد فيها!.

ads
ads
ads
ads