القاهرة : الخميس 25 أبريل 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
الإثنين 11/فبراير/2019 - 06:59 م
لواء-حمدى-البطران
لواء-حمدى-البطران

نصب تذكارى للرشوة فى مصر

dostor.org/2513401

فى قلب القاهرة على جزيرة الزمالك بنهر النيل. ينهض فى وسط القاهرة، مبنى مرتفع وشاهق، تصميمه عبقرى. يقصده الزوار لقضاء أوقات جميلة. مشيد من الخرسانة المسلحة، على هيئة تصميم زهرة اللوتس المصرية، يحمل لمسة تاريخية مستدعاة من تاريخ الفراعنة القدماء، وهو من تصميم المهندس نعوم شبيب، ١٩٥٦- ١٩٦١ ويصل ارتفاعه إلى ١٨٧ مترًا وهو أعلى من الهرم الأكبر بالجيزة بحوالى ٤٣ مترًا. يوجد على قمته مطعم سياحى على منصة دوارة، تدور برواد المطعم ليروا معالم القاهرة من كل الجوانب.
فى البداية كان هذا البناء مبنى متواضعًا فى حدائق الزهرية، يعلوه صارٍ ضخم، يتجاوز ارتفاعه ارتفاع الهرم الأكبر، لالتقاط الإشارات اللاسلكية لتأمين اتصالات سريعة بين العاصمة والأقاليم وبين أجهزة الدولة المسئولة عن الأمن، وبين وزارة الخارجية والسفارات المصرية بالخارج.
تبدأ قصة البرج عام ١٩٥٥ عندما تلقى الرئيس عبدالناصر من مستشاره السيد حسن التهامى، تقريرًا عن زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، بناء على دعوة من السفير الأمريكى بالقاهرة لمقابلة بعض الشخصيات السياسية المهمة بواشنطن.
كان محتوى التقرير ينطوى على أن الولايات المتحدة الأمريكية، تأمل فى أن تكون لها علاقات طيبة ومتواصلة مع مصر، وأنها تقدر الرئيس جمال عبدالناصر وترى فيه الزعيم الذى يعمل بكل طاقته من أجل تقدم مصر. وتطلب الولايات المتحدة أن يقوم الرئيس عبدالناصر بتغيير موقفه تجاه حركات التحرر فى بعض دول الشرق الأوسط وعلى الأخص فى شمال إفريقيا كالجزائر وعدد آخر من الدول الإفريقية، والاتجاه نحو علاقات أفضل مع الدول الغربية، وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية التى لن تتأخر فى دعم مصر ومساندتها. وتأشّر من الرئيس جمال عبدالناصر بضرورة المتابعة والتواصل مع الأمريكان، وبعدها تلقى حسن التهامى اتصالًا تليفونيًا من مستشار السفارة الأمريكية بالقاهرة يدعوه إلى حضور حفل استقبال فى منزل السفير الأمريكى بالمعادى. وأثناء الحفل التقى التهامى، مايلز كوبلن كبير ضباط المخابرات الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، واستمرت لقاءات حسن التهامى وضابط المخابرات، وفى إحدى المرات أعطى ضابط المخابرات الأمريكى حسن التهامى مبلغ مليون جنيه فى حقيبة، وطلب توصيلها للرئيس عبدالناصر، كرمز للتعاون والصداقة بين مصر والولايات المتحدة، وأبلغه ضابط المخابرات بأن الولايات المتحدة ستكون على أتم الاستعداد للاستجابة إلى أى طلبات أو مساعدات يطلبها عبدالناصر.
وحسب رواية ضابط المخابرات عادل شاهين، فقد قام حسن التهامى بعد النقود فى منزله ووجدها ناقصة خمسة وعشرين دولارًا، وقام حسن التهامى بتوصيل الحقيبة بمحتوياتها إلى جمال عبدالناصر. وبعد أن تشاور الرئيس مع معاونيه من رجال المخابرات وافق على اقتراح بناء برج سياحى فى القاهرة.
رفض جمال عبدالناصر أن يخصص المبلغ للإنفاق على البنية الأساسية فى مصر رغم احتياج البلاد وقتها لهذا المبلغ، ولكن أراد عبدالناصر أن يبنى بناء يظل علمًا بارزًا مع الزمن يعلم المصريين الكرامة، وحتى وإن كانوا فى أشد الاحتياج، وقرر أن يحوله إلى برج سياحى ضخم، وأن ينفق عليه ببذخ، ليشاهده السائحون والمسئولون الأمريكيون من أى فندق فى القاهرة، كشاهد على حماقة السياسة الأمريكية التى حاولت أن ترشوه. أو ما يمكن أن نسميه الآن النصب التذكارى للرشوة التى رفضها عبدالناصر.
ربما كان التساؤل: لماذا أصر الرئيس جمال عبدالناصر وقتها على رفض الاقتراب من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية؟ وهو الأمر الذى فعله الرئيس السادات بعد ستة عشر عامًا وتحديدًا فى عام ١٩٧٧ عندما أعلن أن كل أوراق اللعبة السياسية فى العالم فى يد الولايات المتحدة الأمريكية.

ads