الأحد 26 يناير 2020 الموافق 01 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

لجنة لتنمية الضمير

الجمعة 18/يناير/2019 - 06:31 م
طباعة


فى نهاية عام ٢٠١٥، أكد الرئيس السيسى، فى اجتماعه بنخبة من علماء مصر، أن منظومة القيم والأخلاق فى المجتمع تعد الحاكم الأول لسلوك المواطنين فى المجتمع، وتقوم بدور جوهرى فى تقدم الشعوب والأوطان، بل تمثل حافزًا ووازعًا لمزيد من العمل والإنتاج، فضلًا عن نشر الرُقى والتحضر فى جميع مناحى الحياة، وكان الدكتور محمد غنيم، عضو مجلس علماء مصر، قد صرح بأن أعضاء المجلس عرضوا على الرئيس عبدالفتاح السيسى إنشاء لجنة لتنمية الأخلاق والضمير، وتعزيز قيم العمل والانتماء، لتباشر عملها تحت رعاية مؤسسة الرئاسة، موضحًا أن منظومة الأخلاق تحتاج إلى روابط حتى تتحقق، منها الأزهر، والتعليم، والإعلام، موضحًا أنه يجب تحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية حتى يتحسن المحتوى الأخلاقى للأفراد.
يا ترى هل تم تشكيل تلك اللجنة ومارست عملها؟!.. وما أخبار مجلس علماء مصر، وهل لا يزال موجودًا؟!.. كنت أظن أن ظاهرة عقد المجالس وإعلان جميل النوايا والمشاريع وبعدها يتم الاختفاء أمر يقتصر وجوده على ميادين العمل السياسى، وأن مجالس العلماء لا بد أن تتسم بالجدية والموضوعية، ولأن الموضوع يتعلق بالضمير وبحضور رئيس ينشد ويطالب دومًا بعودة القيم وإعمال الضمير منذ اليوم الأول لولايته.
«هنا فى مصر ولد الضمير»، قالها جيمس هنرى بريستد فى كتابه «فجر الضمير».. وفى مصر بل فى منطقتنا العربية كلها للأسف نعيش مناخًا يذهب بنا إلى منعطف يبعد عن الالتزام بالقيم الإيجابية التى يجب أن تكون هى الأعلى والأهم لتحقيق التقدم، وبات مثقفونا وقادة الفكر المخلصون أمام حائط فاصل يعانون خلفه صعوبة فهم لوغاريتمات الناموس القيمى المطروح، إذا جاز أن نسميها قيمًا، التى يمارس بمقتضاها الناس فى منطقتنا أفعالهم المستهجنة، وكأنها من مُسلمات وبديهيات العصر فى التعامل.. يؤدونها فى سلاسة وانسيابية وتدفق دونما إحساس بالذنب أو تأنيب للضمير!.
فماذا نرى الآن؟!.. نتابع الآن كيف يتناصح الكثير من موظفينا على سبيل المثال فى دواوينهم الحكومية بتلك المقولات والمأثورات الرذيلة.. يقولون «اشتغل كتير تغلط كتير» و«على قد فلوسهم» و«اللى مالوش ضهر..».. إلخ، أما بعض مسئولينا فقد رفعوا شعارات الخوف وتواصوا بمقولات «طاطى للريح» و«إحنا فى النهاية بنفذ سياسة»، وبتنا نعلم أولادنا مناهج تزخر بالاختيارات السيئة والتوقف عند ملامح معرفية أصبحت فى ذمة التاريخ.. نلقنهم فى البيوت حكمًا وأمثالًا تدفعهم للتواكل والسلبية والانسحاب المبكر من الذهاب إلى دنيا الغد.. ونردد مقولات «إعلامنا الرائد»، بينما يروننا نتابع كل محطات الدنيا وقنواتها التليفزيونية إلا محطاتنا الحكومية التى توقفت عند ما سموه مرحلة الريادة، ولم يعد لدينا من ملامح تلك المرحلة إلا اسمها وشعاراتها وبنية أساسية ضخمة دونما إنتاج متميز أو توافر كوادر إعلامية يمكن أن نفاخر بها.. وقالوا لتلاميذ المدارس هذه هى مدارسكم، نظيفة جميلة متطورة ومنتجة، فهل وجدوها كذلك ؟!.. أى قيم هذه التى يبثها المجتمع لأفراده وفلذات أكبادنا؟!.
ولعل ما يدهشنا أنه عندما كنا نعيش زمن الكتاتيب والمدارس القليلة، كان المشهد الثقافى والعلمى زاخرًا بالرواد فى الفكر والأدب والفلسفة والعلوم.. فكان أحمد لطفى السيد وطلعت حرب وجمال حمدان وسيف وانلى وغيرهم كثيرون.. والآن لم يعد بيننا أعلام أو نماذج نحتفى بها بمثل تلك الوفرة والسمو والنجاح.
لا شك أن الإعلام المصرى يواجه بشكل عام، والمرئى بشكل خاص، تحديًا حقيقيًا إذا كان القائمون عليه يريدون حقًا أن يتجاوزوا شعارًا لم يعد له معنى، يحمل شارة الريادة وصكوك السبق وشهادات تاريخ، فى عصر لم يعد يقبل فيه العالم أعذار أصحاب معلقات الفخر والاعتزاز بفتوحات زمن المجد التليد.. وإذا كان توفيق الحكيم قد حلم بعودة الروح، وبعدها بعودة الوعى، فيبدو أن حلم «عودة الضمير» بات الأمل المنشود فى زماننا.