القاهرة : الإثنين 24 يونيو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
مصر
الأحد 13/يناير/2019 - 01:48 م
دعاء خليفة
دعاء خليفة

لا تقتلوا الحلم

dostor.org/2473053

نحيا بالأحلام، نواصل حياتنا رغم المصاعب والألم والمشقة لأنه ما زال هناك حلم نسعى إليه وأمل في المستقبل، وعندما تموت الأحلام أو يصبح تحقيقها أشبه بالمعجزات والأساطير، تفقد الحياة معناها، نموت حتى وإن كنا أحياء، الحلم هو الحياة، هو القدرة على أن نحلق دون أجنحة، هو أن تربى أبناءك على حب الوطن، لأن الوطن هو الحلم الأكبر. 

كان تمكين الشباب من القيادة أحد أحلامي في الحياة لأنني كبرت فى بلد كل المسئولين فيه فوق الستين، وكنت دائما أسأل نفسي "ليه بلدنا كده، مع أنى لما كنت بسافر أي دولة أخري كنت بشوف فيها مسئولين شباب كلهم حيوية ونشاط وتفاؤل" ... عندما اتجهت لكتابة المقالات كان ٧٠% من مقالاتي عن الشباب ... لأنهم الأمل والمستقبل ومن سيحملون مصر بعدنا ... بعد ثورة ٣٠ يونيو كنت واثقة أن مصر ستتغير وأن فلسفة الحكم ستتغير، وبعد ما تولى الرئيس السيسي حكم مصر وكان لى شرف اللقاء مع مكتبه الإعلامى، ولما سئلت عن أفكارى ومقترحاتى كان أول اقتراح لى أن الرئيس لازم يهتم بالشباب ويجتمع بيهم ويسمع لهم ....وكان تانى اقتراح لى أن يكون للرئيس حوار تليفزيونى مع الشعب ولو مرة فى الشهر زى لقاء مصارحة كده.

فى ٢٠١٦ كان أول مؤتمر لشباب مصر مع رئيسها، وكانوا تقريبا أكثر من ١٥٠٠ شاب وفتاة، رأينا من ضمن فعاليات المؤتمر فقرة اسأل الرئيس، وكان الشباب يوجهون أسئلة مباشرة وغير مرتبة لرئيس الدولة وجها لوجه، كانت سعادتى غامرة، فهذا أحد أحلامى يتحقق على أرض الواقع، واستبشرت خيرا فى أن الغد سيأتى بالأفضل مع رئيس يسمع ويناقش ويستجيب حتى أدق التفاصيل الداخلية والخاصة بالأمن ... لم أنس جلسة مهمة كان حاضرا فيها الأستاذ إبراهيم عيسى والدكتور أسامة الغزالى حرب، وتحدثا عن أن هناك بعض الشباب الذي سجن ظلما على خلفية قانون التظاهر، وهذا ما أقره الرئيس وقالها واضحة "أكيد فى ظروف صعبة زى اللى بتمر بيها بلدنا وتوسيع دائرة الاشتباه وارد الخطأ" وبعدها جاءت من ضمن توصيات مؤتمر الشباب الأول تشكيل لجنة للعفو الرئاسى ....وينتهى المؤتمر وتبدأ اللجنة فورا لممارسة مهام عملها فى البحث والتنقيب عن المحبوسين ظلما... كنت أشعر بأن مصر تتجه إلى الطريق الصحيح وأن حرص الرئيس على الاهتمام بالشباب حرص حقيقي وليس شو إعلامى كما حدث فى عهد رؤساء سابقين.

في عام ٢٠١٧ جاء منتدى شباب العالم وهو مؤتمر لشباب العالم ضم ٣٠٠٠ شاب وفتاة من مختلف دول العالم تجمعوا على أرض السلام "مدينة شرم الشيخ" وكان مؤتمر ولا أروع وفكرة نبيلة وعظيمة لتبادل الثقافات والحضارات بين شباب مصر والعالم، وكان الأعظم منه أن جاءت ضمن توصيات قرار الرئيس عبد الفتاح السيسى رقم 434 لسنة 2017 بإنشاء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب ... وحظى القرار بترحاب شديد من كل المصريين فهذا كان مراد الجميع وعلى المستوى الشخصى أحد أحلامى ... وبدأ تلقى طلبات الالتحاق بالأكاديمية وتم اختيار أول دفعة ٥٠٠ شاب وفتاة خضعوا لاختبارات دقيقة واجتازوها ثم دورة تدريبية ٦ شهور، ثم دورة أخرى وبعد ١٢ شهرًا تم تخريج أول دفعة من أمل مصر ... ولادنا اتخرجوا فى أكاديمية عظيمة للتدريب، يوجد مثلها فى فرنسا فقط فى فرنسا باسم المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية والتى أنشئت عام ١٩٤٥.... ومع أن الفجوة الزمنية كبيرة لكن أن تأتى متأخرًا خيرًا من ألا تأتى أبدا ... وبدا فى توزيع بعض خريجى الأكاديمية على المحافظات للعمل كمساعدين للمحافظين وكنت أراها خطوة جيدا لتدريبهم على الارض وهل افضل من الحاقهم بالمحليات تدريب! 

لكن بعض فترة وجدت بعض الناس ومنهم إعلاميون يشكون من أسلوب تعامل شباب الأكاديمية معهم وإن تعاملهم يغلب عليه التعالى، ورفض سماع أى نصائح أو إرشادات ممن أكبر منهم سنا، وكنت قد تحدثت مع بعض المحافظين شخصيا لأعرف مدى رضائهم عن مساعديهم، فكان ردهم لسه بدرى عليهم محتاجين شوية شغل ... فهمت أن عامل السن وقلة الخبرة ربما لم تمكنهما الآن من هذه الخطوة وأن لديهم فرصة رائعة للعمل فى تخصصاتهم كمساعدين مثلا بمكاتب وكلاء الوزارة كخطوة اولى ثم على درجة اتقانهم للمهام يكون تصعيدهم ... لأن ماينفعش فعلا أجيب خريج جامعى وأدربه سنة وبعدها أقوله مبروك أنت بقيت مساعد محافظ!! 

ما هى خبرته، إلى جانب أنه من  الطبيعى سيصيبه الغرور ويغلب علي تصرفاته شعور الأنا ... والاهتمام الشديد بالأمر وبحث لمعرفة ماذا أصاب هؤلاء الشباب.. وبسؤالى لبعض أساتذة الطب النفسى.. كان كالآتى:

الدكتور محمد حسين سعد الدين الحسينى 
أستاذ علم النفس المساعد كلية الآداب- جامعة المنصورة ... يرى أن مبادرة رئيس الجمهورية بدمج الشباب ضمن العمل الإداري والكوادر الإدارية من خلال البرنامج الرئاسي الذي أعده  لهم تعد تجربة رائدة لرئيس مصري وتفردا، ولكن لأي عمل أو مبادرة فى بدايته جوانب من الخلل الذي يجب مراعاته والعمل علي تطويره لتحقيق أداء أفضل للمنظومة ألا وهو فكرة الإعداد النفسي للشباب أثناء انعقاد البرنامج التدريبي لهم علي استيعاب مفهوم القيادة، وما تحمله من مسئوليات وسلطة فى آن واحد تتطلب منهم ألا ينجرفوا وراء ما نسميه بهوس السلطة، لكي لا يختلط عليهم الأمر بين مفهمومي القيادة والمركزية أو السلطوية، فإن القيادة تتطلب الكثير من السمات الشخصية، ليكن أهمها هو إدراك القائد بقيمة الإنسان والآخر وإن اختلفت أدوارهم الاجتماعية، فالآخر لا يختلف عني إلا فى تسكينه الإداري والمهني، ولكنه مكمل للقائد فى إنجاز الأعمال وإنجاح المؤسسة والإدارة، وبها يتفوق الهيكل الإداري بأكمله وليس نجاح لفرد معين.
 وهنا يجب أن يعي القائد الشاب أن العمل الإداري والقيادة نجاح لمجموعة وليس لأفراد، وإن خرجنا خارج التعامل المؤسسي للقائد الشاب، فنجد تغيرًا فى طباعه وتعاملاته مع محيطه الاجتماعي، فعملية الخلل فى العلاقات الإدارية والاجتماعية إن دلت فتدل علي أننا أمام نموذج يعاني هوس السلطة، وفيها يكون تصرف الفرد المسئول خارجًا عن إطار الحكمة الإدارية وصفات القائد، ويتصف فيها بالرعونة والصدام تحت غطاء آمن وهو البرنامج الرئاسي، لذا يلزم الأمر تبنى البرنامج الرئاسي فكرة دعم الجوانب النفسية الخاصة بتحول الفرد من كونه مواطنا عاديا إلى كونه مسئولا عن مؤسسة أو قطاع هام بالدولة، ومن ثم مسئولا عن تصرفاته فى هذا الإطار الذي يجب أن يتسم باللباقة وحسن التصرف وأيضا يضم البرنامج الرئاسي توسعًا أكبر فى فكرة العمل التعاوني وأهميته والأدوار داخل العمل الجماعي وأهمية كل دور بدءًا من أسفل الهرم، وصولاً إلي قمته وهى الكوادر المقصود إعدادها لتولي القيادة.

بعد الرأى العلمى .... إذن ما الحل؟، هل ستتحول الأكاديمية التي حلمنا بها وانتظرنا أن تخرج كوادر واعية وقادرة على قيادة الوطن في المستقبل إلي مكان لتخريج أصحاب النفوذ والمتعالين على الناس، هل سندمر الحلم الذي أخرجه الرئيس إلي النور وقدم له كل الدعم والاهتمام، هل سنترك اليأس يفتك بالناس عندما يرون المستقبل وكأنه نسخة من الماضي الذي رفضوه وثاروا عليه.
إن الحل من وجهة نظري هو ضرورة رفع المستوى الثقافي والفكري لهؤلاء الشباب، يجب أن يعرفوا تاريخ بلادهم والشخصيات المضيئة من المثقفين والفنانين والكتاب والأدباء والعلماء والقادة العسكريين، يجب أن يدرسوا تاريخ جمال حمدان ونجيب محفوظ والأبنودي وصلاح جاهين وأحمد زويل ومجدي يعقوب والجمسي وسعد الدين الشاذلي، وغيرهم من القامات المصرية الكبيرة التي هي سر مصر ومكمن قوتها ومكانتها. 
كما يجب أن يكون ضمن العاملين بالأكاديمية أطباء وإخصائيون نفسيون، لكي يسيطروا على مشاعر هؤلاء الشباب الذي يتعرض لصدمة بسبب الانتقال من حال إلي حال، ويستوعب تطلعاتهم ويهذب انفعالتهم وطريقة تعاملهم مع الناس. 
إن قادة المستقبل لا يصنعون في معامل وقاعات مغلقة ولكن تصنعهم التجارب والاحتكاك بالواقع والتعامل مع المشكلات، ولا يمكن أن يكون القائد قائدا وفاعلا ومجسدا لأحلام أمته إلا إذا انتمى لأهله وأحبهم وتواضع أمامهم.

وأخيرًا 

يعلم الله أن كل ما أتمناه لهؤلاء الشباب أن يكونوا قادة بكل ما تحمله الكلمة من صفات لنفخر بهم جميعا، ونأتمنهم على أغلى مانملك .... مصر الحبيبة.

ads
ads
ads