القاهرة : الأربعاء 19 يونيو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
مصر
الجمعة 11/يناير/2019 - 07:50 م

محمد الباز يكتب: هل يمكن أن يكشف سيف سلماوى عن مصادر تمويل دار «الكرمة» للنشر؟

محمد الباز يكتب:
dostor.org/2470505

اسمها ليس غريبًا عليكم.. فقد كان دخولها مسرح الحياة العامة فى مصر صاخبًا ومدويًا ومزعجًا فى آن واحد.
غبار ما يقرب من ٨٨ إخوانيًا يقترب من الدخول إلى مجلس الشعب، بعد انتخابات برلمانية جرت فى خريف ٢٠٠٥، وغلبت عليها الصفقات والتربيطات والخيانة.
بين شد وجذب وشائعات واتهامات طالت الجميع، خرجت هى.
المستشارة نهى الزينى.
القاضية القادمة من النيابة الإدارية قررت أن تكتب شهادتها على ما قالت إنه حدث فى انتخابات اللجنة الأولى قسم شرطة دمنهور، وهى اللجنة التى فاز فيها الدكتور مصطفى الفقى على القيادى الإخوانى جمال حشمت.
لجأت نهى الزينى إلى «المصرى اليوم»، التى احتفت بشهادتها، والتى قالت فيها إن جمال حشمت المرشح الإخوانى كان متقدمًا على مصطفى الفقى، وإنه تم تغيير النتيجة لصالح مرشح الحزب الوطنى.
لم يكن لدى نهى الزينى وقتها إلا شهادتها، بضع كلمات، لا وثيقة ولا دليل ولا صورة ولا فيديو يمكن أن تؤكد ما ذهبت إليه، طلبت من قضاة كانوا معها أن يدلوا بشهاداتهم، لكن لم يستجب أحد.
لم يتغير شىء فى نتائج انتخابات البرلمان بفعل شهادة نهى.. لكن تغيرت أشياء كثيرة فى حياتها، فقد أصبحت شخصية عامة، تكتب عنها الصحف، وتكتب هى للصحف، وعندما قامت ثورة يناير، تحولت إلى نجمة فى برامج التوك شو.. صاحبة موقف ورأى ورؤية، وموجهة أحيانًا لبعض الأحداث.
فى شهادتها على الانتخابات، قالت نهى الزينى نصًا: «لكى لا يزايد علىّ أحد أبادر بالقول صادقة: إننى أخالف الإخوان المسلمين فى الكثير جدًا من آرائهم».
كانت نهى الزينى صادقة بالفعل، فهى تختلف مع جماعة الإخوان فى أشياء كثيرة.
فى مارس ٢٠١١ عندما حدث الشقاق الكبير، فريق يطالب بالدستور أولًا، وفريق آخر ينحاز إلى الانتخابات أولًا، كانت الجماعة تنحاز إلى جانب الانتخابات، وقتها تحدثت نهى فى أحد برامج التوك شو الشهيرة، وقالت: «الجماعة تتحمل وزر ما يحدث الآن من شقاق لأنهم استفزوا القوى الوطنية».
وفى أبريل من العام ٢٠١٣، وكان الإخوان فى الحكم، أدلت بتصريحات صحفية صاخبة قالت فيها إن نظام مبارك مستمر، ولم يتغير، وعندما كان الإخوان فى المعارضة كانوا جزءًا من النظام السابق الذى خرج الشعب المصرى فى ثورته لإسقاطه، ونظام الإخوان امتداد لنفس النظام التابع لأمريكا، والإخوان يبررون تبعيتهم هذه بمنطق الغاية تبرر الوسيلة. فعلى الرغم من كره الإخوان لها، إلا أنهم يتعاملون معها لوجود مصلحة مشتركة.
وصلت نهى بعد ذلك إلى العمود الفقرى لأزمة الإخوان فى الحكم، فضربته بقوة.
قالت: التاريخ سوف يحاسب مرسى، الرجل معروف بالتزامه داخل جماعة الإخوان، وشرعية أى رئيس تكون من الرضا الشعبى المستمر، وليس بالصندوق، وشرعية مرسى الشعبية تتآكل.
لا يمكن أن تتهم نهى الزينى بأنها إخوانية إذن، يمكنك فقط أن تحترم شجاعتها فى مواجهة الجميع بما تعتقد أنه صواب وحق، لكن فى الوقت نفسه ستقف بعض الشىء أمام تكوينها النفسى، فهى ليست إخوانية، لكن إخوان عائلتها الذين أحاطوا بها حتمًا كان لهم تأثير نفسى وروحى فيها.
والدها هو المستشار عثمان الزينى، ووالدتها هى السيدة نائلة محمد حسين العشماوى.. وهنا نفتح «قوس» للإخوان فى عائلة نهى الزينى، فأمها هى شقيقة حسن جمال الدين، الذى كان عضوًا بمكتب إرشاد الجماعة، وحكم عليه بالسجن ١٥ عامًا فى القضية رقم ٥٦٣٠ فى ١٦ أغسطس ١٩٥٥، وخالتها هى آمال حسن العشماوى، التى كانت زوجة لمنير أمين الدلة، عضو مكتب إرشاد الجماعة أيضًا وأمين صندوقها فى العام ١٩٤٧، وكان يعمل مستشارًا بمجلس الدولة، إلا أن اعتقاله مرتين لارتباطه بالجماعة أدى به فى النهاية إلى الفصل والخروج من وظيفته.
رأت نهى الزينى الإخوان عن قرب، أكلت معهم وشربت، لم تنضم إليهم، ولم تفعل ما فعلته فى ٢٠٠٥ من أجلهم، لكن لا يمكن أن ننكر أو نتنكر من أن شيئًا ما قد تسرب فى الروح، روابط نفسية جعلتها ترتكب ما يمكن اعتباره جريمة كاملة فى حق الوطن، وهى جريمة لن نطالب بمحاكمتها عليها جنائيًا، ولكن فقط سنضعها أمام محكمة الشعب.
من بين ما قامت به نهى الزينى، بعد أن أصبحت واحدة من نجوم المجتمع، إصدارها بعض الأعمال الأدبية- هى حاصلة إلى جوار درجة الدكتوراه فى القانون الدستورى من جامعة القاهرة على دبلوم عالٍ فى الأدب الفرنسى من جامعة السوربون بباريس- ولعلك قرأت بعضها أو على الأقل تعرف عناوينها، فمنها مثلًا «اغتسال» و«العائذ بالبيت» و«أيام الأمازيغ».
لا أتحدث عن هذه الأعمال، سأتوقف بك فقط عند روايتها الأخيرة «بلا وطن»، التى صدرت عن «دار الكرمة».
اسم قد يوحى بالكثير، لكن ما لنا والإيحاءات إذا كانت الرواية نفسها تمثل الجريمة الكاملة التى أشرت إليها قبل سطور قليلة.
حاولت دار النشر التى يملكها ويديرها سيف سلماوى، ابن الكاتب الشهير محمد سلماوى، الترويج للرواية بشكل طبيعى غير لافت للانتباه، من خلال أخبار أرسلت بها لمحررى الثقافة فى المواقع الإلكترونية تقول فيها إن الرواية عن مرحلة من أهم مراحل التاريخ المصرى المعاصر، ما بين حرب أكتوبر واغتيال الرئيس السادات، ومن خلال العلاقة الرقيقة التى ربطت عزة بإسماعيل ومصطفى، تقدم لنا نهى الزينى بانوراما شائقة للتطورات السياسية والاقتصادية والثقافية فى مصر خلال سبعينيات القرن العشرين، حيث تنامى تيار العنف الإسلامى، وصراع الهويات، واشتعال الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، والتحولات الأيديولوجية العميقة التى غيرت حياة المصريين إلى الأبد.
إشارات لا تجعلك تشك فى شىء، أو تشكك فى مقاصد الرواية، بل حاولت الدار التسويق أكثر، فأشارت- وهو الكلام الذى جعلت منه كلمة الغلاف الخلفى للرواية- إلى أن ما فعلته الزينى هو توثيق لأحداث المرحلة، ودمج شخصياتها الحقيقية داخل النسيج الروائى مثل: صالح سرية، كارم الأناضولى، الشيخ إبراهيم عزت وآخرين، حتى يشعر القارئ بأنه يعايش أحداث تلك الفترة ويكشف أسرارها.
من حق نهى الزينى- وهى التى لا تزال تعمل مستشارة فى النيابة الإدارية حتى الآن- أن ترى فى نفسها روائية، ومن حق الناشر سيف سلماوى أن يراها كذلك أيضًا، لكن ما ليس من حقهما أن يقدما عملًا يمثل خطرًا على الأمن القومى.
لا مبالغة فى كلامى على الإطلاق، ودون أن أحرق عليك الأحداث، فإن هذه الرواية محاولة لغسل سمعة جماعة الإخوان بشكل كامل.. وقد فعلت نهى ذلك فيما أعتقد بحسن نية، أو ربما مدفوعة بالتأثيرات النفسية التى تركتها الجماعة من خلال أقاربها على جدار روحها.
لا أمنح نهى الزينى مبررًا لما فعلت بالطبع، فقد تكون لجأت إلى الشكل الروائى تحديدًا حتى لا تجعل من نفسها خصمًا للرأى العام المصرى الذى أخرج الإخوان من وجدانه، بعد أن عرف حقيقتهم وحقيقة ما يريدونه، فالجماعة التى صدّعت رءوسنا لعقود طويلة بأنها جماعة ربانية، وجدناها فقط جماعة ساعية إلى الحكم، وليتها اتقت الله فى شعبها، بل تعاملت مع الجميع بمنطق: يا نحكمكم.. يا نقتلكم.
لكن وربما دون أن تقصد، قدمت لنا نهى الزينى خدمة جليلة عندما كشفت بوضوح عما يفعله سيف سلماوى فى سوق النشر، فهو ليس مجرد صاحب دار نشر، يسعى إلى الربح من وراء نشاطه، ولكن المسألة تتعدى ذلك بكثير.
سيرة سيف سلماوى بالنسبة لى لم تكن تبشر بخير، فعن طريق والده دخل سوق النشر، حيث عمل مع إبراهيم المعلم فى دار الشروق، فى العام ٢٠٠٨، وطبقًا لرغبة من الشيخة موزة حاكمة قطر انتقل سيف إلى الدوحة ليكون مشرفًا على تجربة النشر المشترك بين دار «بلومزبيرى» العالمية ومؤسسة قطر للنشر.
كانت للتجربة أهداف محددة، منها نشر كتب الأطفال وترجمة الكتب التى تحمل قيمة من لغات العالم المختلفة إلى العربية، لكن المفاجأة وربما لتوجهات الشيخة موزة التى كانت تشرف على المشروع، اهتم سيف أكثر بنشر كتب وروايات لكتّاب مصريين أصحاب ميل وتوجه إلى قطر، وقد حصلوا مقابل نشر كتبهم القديمة وتلك التى جمعوا فيها مقالاتهم المتناثرة فى الصحف على مبالغ طائلة لا تتناسب، لا مع قيمتهم، ولا مع قيمة ما كتبوه.
بعد سنوات من العمل فى قطر، عاد سيف مرة أخرى إلى مصر ليؤسس دار «الكرمة»، وقتها قالوا إن هناك من أراد لسيف أن يفك ارتباطه بقطر وبالشيخة موزة ويعود إلى مصر، ليبدأ مشروع نشر وطنيًا، لكن يبدو أن هذا لم يحدث.. ولو سألتنى عن حجتى؟ سأقول لك: إنه هذه الرواية تحديدًا.
لا أريد أن أحمّل الأمور أكثر مما تحتمل، لكن الواقع يقول إن سيف نشر أعمالًا عدائية لكتّاب مناوئين لمشروع ٣٠ يونيو، وهذا حقه كناشر لا يمكن أن تعارضه فيه أو تحتج عليه به، فهذا خطه الذى حدده لنفسه، لكن رواية نهى الزينى تحديدًا، جعلتنى أسأل عن أهداف هذه الدار، عن الخط الذى تنتهجه والسياسة التى تتبعها، وعندما تمد الخط على استقامته لا بد أن تسأل عن المال الذى يتم ضخه فى هذه الدار، فهل «الكرمة» يملكها سيف وحده، أم له شركاء، وهل هؤلاء الشركاء مصريون؟ أم أن هناك مالًا قطريًا يسير فى شرايين الدار؟.
كل هذه أسئلة مشروعة جدًا، وأعتقد أن من حقنا أن نسمع إجابات عنها.



ads
ads
ads