القاهرة : الإثنين 25 مارس 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
الثقافة
السبت 29/ديسمبر/2018 - 06:58 م

زحف النمل

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
مصطفى البلكى
dostor.org/2454886


أخبرت الطبيب أن النمل الذى أسمع دبيبه فى رأسى يعتقد أن رأسى شجرة!
قبل أن أبوح بكلماتى، كنت أحاول أن أقتل فكرة الذهاب، فليس معنى أنى لا أنام جيدًا أو أن هناك الكثير من الكوابيس التى تزورنى أنى فى حاجة لزيارة الطبيب، فالكثير من الوصفات التى أشار علىّ بها الكثير من الأصدقاء لم تُعدنى إلى نفس حالة الإنسان النشيط الذى لا يدخر جهدًا فى العمل ولا فى البيت ولا فى الشارع، الجميع يروننى وأنا أجدّ فى المسير، دائمًا أحمل حقيبة جلدية، أضع فيها دفترى وكتابًا أتصفحه، ولفافة بها أنصاف أرغفة العيش محشوة بخيرات البيت، كل يوم حسب الموجود، ربما يستوقفنى البعض من أجل حل مشكلة ما أو أن يأخذ منى أحدهم موعدًا لكتابة عقد بيع أو شراء، أو يدعونى لحضور عقيقة مولود رزق به، وفى بعض الأوقات أجدنى أجلس إلى عجوز تربطه بجدى صداقة قديمة، وبسعادة طفل رد إلى يد أمه فى السوق، أنصت لتاريخهما المشترك.
ظلت طقوسى كما هى حتى دخلت علىّ ذات يوم امرأة فى مقر عملى، تحمل بين يديها طفلًا فى الخامسة من عمره، لا مقدرة له على الحركة، نظرت إلى الصغير، فأيقنت أن ما فيه هو سبب من أسباب الولادة الخطأ، أكدت لى السيدة ما ذهبت إليه، وقالت بلسان سليم:
ـ عنده ضمور فى المخ ونظرت إلى صغيرها وتابعت، بسبب زنقة فى الولادة.
نظرتُ إليها، كانت متوسطة الطول، ممتلئة الجسد، كل شىء فيها يدل على أنها ليست من أبناء بلدنا، فجمالها لافت، وفتنته تظهرها بعدة طرق منها طريقة الحديث، وحركة الشفاه، وثبات النظرة، ونقاء البشرة، وتراكم الحزن، كانت أحد روافده ماثلة أمامى.. ومن تتابع الحديث عرفت أنها نزحت من الشمال للجنوب بعدما تزوجت، وهى وحدها من تحمل عبء مولودها، تتردد به على عيادات التأمين، وعلى المستشفى العام حينما يصاب بانتكاسة، تحفظ الكثير من أسماء الأدوية والبدائل لها.
أصبحت مع الأيام أترقب حضورها لتصرف الأدوية التى تقرر لولدها، وكلما تأخرتْ أصبح كمن وضع على مرجل، ذلك الاهتمام تلقفته الألسنة التى تشتاق لتسلية، فنسجت حولى القصص، والحكايات، وصل بعضها إلى بيتى، كنت وقتها قد أيقنت أن التغيير الذى أعيشه مفارقًا الاعتياد هو حلقة ستتصل بأخرى، وكأنى أكشف الغيب، فقد جاءت ذات يوم من غير ولدها، كانت أكثر حزنًا، جلستْ فى الاستراحة يحيطها سياج من السكون، حقيبة يدها أصبحت صغيرة، فالأخرى كانت كبيرة تتسع للحفاظات وللأدوية، ولأشياء أخرى، وددت لو قمت وتكلمت معها لكن خوفى من رقابة العيون، وقف حائلًا بينى وبين مخاطبتها.
ظل طيفها معى، كنتُ أراها فى سوق القرية تشترى من البقالة ما يلزمها، أو تقف أمام المخبز لتحصل على حصتها اليومية من الخبز، أو فى وسيلة المواصلات التى أستقلها فى مشاويرى للمدينة، وكنت مع هذا الوجود المصاحب لى، أكتب الكثير عنها فى دفترى، كأنثى غير منسوبة لى فى قيدى العائلى.
اتساع تلك الحياة دفعنى إلى أن أرسمها فى دفترى، وعندما حاولت أن أكتب اسمها لم أنجح، فأنا لم أهتم به، لأن هذا الفعل لم يكن مبررًا لو قمت به، لذلك أصبحت فى جلساتى أسأل عمن تزوج من أبناء البلدة من قاهرية، أو عمن رزق بمولود معاق، أو عمن مات لهم ولد مؤخرًا، كنت كمن يبحث عن إبرة فى كوم من القش، وحدى والحيرة لأيام تحاصرنى فأغرق فى سرد ما كان وما وجد، حتى أهملت ما كنت أقوم به من طقوس يومية. وفى مساء خريفى، لمحتها من خلف زجاج سيارة نصف نقل، كانت نظراتها تحمل عتابًا ما، خيل لى أن الزجاج الفاصل يبكى على رحيلها، والحقائب الملقاة فى الخلف فوق عزالها، تهم بأن تفتح نفسها لتُرينى ملابسها الزاهية، وما بقى من ملابس صغيرها، وأنا فى مكانى كنت عاجزًا على أن ألوح لها.
لشهور طويلة وأنا أستحضرها فى كل مكان، فى البيت، وفى العمل، وفى تجوالى الذى امتدت مساحته لأضيف إليها المقابر، والكثير من الأحاديث للقبور الصغيرة التى تضم الأطفال، كان داخلى ينطق بأكثر مما يرغب عقلى، وكل هذا لم يكن يغادرنى، كان يتمدد أكثر وأكثر بداخلى، ولم أكن أسأل نفسى عن جدوى التعلق بطيف غادر البلدة بعدما أودع حزنه فيها، لكن فى لحظة تمثل لى فيها الوقت كطفل شقى، دخل علىّ كاتب الصحة وبين يديه شهادة وفاة الطفل، لم تكن منصفة حينما أوصت بأن تسلم لى شهادة وفاته، سكبت الدموع بغزارة بين يدى الرجل الذى لم يقص ما حدث لأحد، وحاولت أن أنظر للوثيقة وأنا بين ثقل ما تركته: اسمها كاملًا، واسم مولودها، واسم زوجها، وسبب الوفاة.
فيما بعد، كلما نظرت إلى السبب أدركت أنى كنت معلقًا فى الهواء، ولأيام فقدت الثقة فى كل شىء، وتحول ما حدث لدبيب تتردد خطواته كزحف النمل فى رأسى، ولم يتسن لى أن أرتب ما سوف يكون، غير أنى خضعت للوهن، ولم أجد قدرة كافية لتجاوز الثغرات التى أوجدتها بصمتى، فكان لزاما علىّ أن أزور الطبيب.
كان الطبيب سخيًا معى وهو يسمع ما قلت بعد أن وصفت له حال رأسى، فتكلم وأخبرنى أنى تورطت فى الألم، وعلىّ أن أخرج نفسى من تلك الدوامة، فخرجت من عنده، وبين يدى تذكرة الأدوية التى كتبها، حينما دخلت إلى الصيدلية، نظر الصيدلى الذى تناول منّى الوصفة وابتسم، وناولنى الورقة، قرأت:
ـ احرق شهادة الطفل.
أخرجت شهادة الميلاد، وجرت عيناى على الكلمات المدونة، وقرأت:
«مات مختنقًا...»
من مجموعة «حكايات مبتورة»
تصدر قريبًا عن دار أطلس للنشر

ads
ads