رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

التعليم رسالة لا تجارة


ما زال التعليم موضع اهتمامى، وهذا لا يرجع فقط إلى تجربتى الشخصية التى أخذت منى سنوات طويلة بين مدرس بإحدى مدارس هيئة، لها دور كبير ومؤثر فى طول البلد وعرضه لاسيما فى جنوب الوادى وبين أبناء وبنات القرى والمدن الصغيرة، وكان ذلك فى بداية خوض رحلة طويلة بدأت بمدرسة الفصل الواحد وحتى إدارة مرفق كبير، أزعم أنه كان رائدًا فى زمننا، حتى احتل المركز الأول فى طول البلد وعرضه، وفى أقل من عشرة أعوام اتسع العمل لأكثر من الضعف، وللتاريخ نقول إن الدولة، ممثلة فى قادتها ووزارة تعليمها، كانت من أكبر المشجعين، بل وللتاريخ خصص أحد المحافظين الشجعان أرضا لبناء مدرستين فى صعيد مصر كحدث لم يتكرر، وإن كان يظل بلوحته القائمة «على ما أعتقد».
أما العودة إلى عنواننا ودليله تجربة عملية تمت فى عاصمة مصر.. مدرسة كاملة المراحل منذ اليوم الأول لعملها كان لا يُسمح فيها لمعلم أو معلمة بأن يمارس عمل الدروس الخاصة لأى من أبناء المدرسة وبناتها، وأثق أنهم لم يفعلوا ذات الفعل مع أبناء وبنات المدارس الأخرى، وعبر طيب الذكر الدكتور حسين بهاء الدين، وزير التعليم آنذاك، أنها تجربة تستحق الدرس والبحث. كان ذلك على مرأى ومسمع معلمين من مختلف البلاد.
لقد كتبت فى مقالات سابقة عن كارثة التعليم، الذى نادت به الحكومات أنه كالماء والهواء ولا بد أن نقضى على الأمية، التى طال مدها وجزرها وما زلنا نسمع أن نحو أربعين فى المائة من الشعب لا يُحسن القراءة والكتابة، وبالتالى تتأثر العملية التعليمية حتى انتشر الداء ليصل إلى مستوى خريجى الجامعات.
ومن حالة التعليم فى بلادنا بدأت البحث فى المنطقة العربية، بل وفى بعض بلدان الغرب، لعلى أجد مخرجا أو أجد من هم أقل حتى أعزى نفسى وأمثالى أننا أفضل من غيرنا، وهنا تذكرت قصة لشاب خطب فتاة بالبريد، وبعد فترة من التعارف كتبت له أريد أن أرى صورتك، وحاول الشاب الهروب لأنه لم يكن على مستوى من الشكل اللائق وظل يراوغها بدعوى أنه لا يملك وقتا للذهاب إلى استوديو تصوير، ولكن جاءته فرصة ظنها فرصة عمره، إذ شاهد شابا مشوه الوجه، دميم المنظر، فأسرع إليه يرجوه أن يسمح له بأخذ صورة معه، وتعجب هذا، لأنها المرة الأولى أن يجد من يرجوه الظهور معه فى صورة. وأخذ الشاب الصورة، وكتب تحتها أنا صديقك. وهكذا الجمال عندما يقارن الشىء بما هو أقل أو ما هو أسوأ.
نقول فى تعريفنا للتعليم إنه كالماء والهواء.. وفى حقيقة الأمر إنه أبعد عن الماء والهواء، باستثناء الأغنياء القادرين على إرسال أولادهم إلى مدارس عالية التكاليف ومع ذلك فالاتجاه يميل إلى الدرس الخاص، الذى فيه ينتقل المدرس إلى الدارس، ثم تطور الحال إلى مركز تعليمى أشبه بمدرسة من نوع جديد، حيث يزدحم الطلاب ويحاضر المعلم لعدد كبير من الطلاب حتى توارى دور الفصل الدراسى، لأن الدرس يلقيه المدرس بأسلوب آخر، ولأن التنافس هو على الوصول إلى باب الجامعة، حيث الكلية التى يسعى إليها الآباء قبل الأبناء حتى قيل «التعليم أصبح حكرا على الأغنياء وليس الأذكياء».
أما دور المدرسة فقد تراجع لتصبح بوابة عقد الصفقات للعمل خارج فصولها لمراكز الشرح والتفصيل.
أما الأمثال التى كانت تمتدح المعلم، فقد توارت ليحل المركز مكان المدرسة وتوارت المبادئ وانتفت الأهداف التربوية، وانقلب الوضع ليصبح الطالب هو صاحب العمل والمعلم فى خدمة المركز، الذى يوصف بالتعليمى أو التلقينى، كما اختفت مقولة من علمنى حرفا صرت له عبدًا، ولم نعد نسمع قم للمعلم وفه التبجيلَ كاد المعلم أن يكون رسولا.
وإذا قلنا إن الدرس الخاص أصبح القاعدة، والفصل هو الاستثناء، حتى يمكن الاستغناء عنه مادام «السنتر» موجودا والآباء قادرين على سداد المطلوب، ولو على حساب احتياجات ضرورية أخرى.
أما مشكلة استخدام العصا لضرب الأطفال فهى ظاهرة تبدو شرق أوسطية وليست خاصة بمصر وحدها، فقانون العقوبات اللبنانى والمادة مائة وست وثمانون من قانون العقوبات اللبنانى لا تعتبر الضرب التأديبى الذى ينزله المعلم أو الآباء لأولادهم أو تلاميذهم جريمة. ولا يختلف قانون العراق عن هذا السياق، حتى إن مدرسة حبست طفلا بالصف الأول الابتدائى حتى منتصف الليل، ومات الطفل ووقعت حالات هجوم بين الطرفين، المعلمة وذووها والطفل وذووه، وسقط ثلاثة قتلى من الأسرتين، وكان ذلك فى عام ٢٠١٢.
أما فى اليمن فالمعلم يرغم التلاميذ على الوقوف على أرجلهم وأيديهم حتى يضربهم المعلم على ظهورهم. وهكذا الحال فى غالبية الدول العربية، وماذا عن مصرنا الغالية فقد وصلت بعض حالات الضرب المؤذى إلى ساحة القضاء.. ففى عام ٢٠١٠ رأينا حالة جلد لطفل، لأنه تأخر عن طابور الصباح، ثم وضع المدرس حذاءه على رأس الطفل، وهو يصيح «المدرسة محتاجة رجالة».
وفى ديسمبر من ذات العام ٢٠١٠ شهدت محافظة الدقهلية حادثة مرعبة للمعلم وهو يضرب الفصل كله، لأنهم أحدثوا ضجيجا والمعلم خارج الفصل، ولم يسلم من الجلد تلميذ مصاب فى يده، وبضرب المعلم له قطعت شرايينه وصدرت بعد ذلك فتوى دار الإفتاء المصرية تقول «إن الضرب المبرح للتلاميذ فى المدرسة والذى قد يؤدى إلى ضرر جسدى أو نفسى محرم بلا خلاف، وفاعله آثم شرعا».
وخلاصة القول إن الضرب فى المدارس العربية إلى اليوم ظاهرة تفشت وتأصلت فى البيت العربى، إذ لا تربية فى المفهوم العام دون ضرب، إلا من رحم ربى. ولماذا ندين المعلمين والآباء فى الغالب الأعم لاسيما وهم فى الريف يوصون المعلمين بكسر العظام والمثل «اكسر ضلعه والباقى يكفى».
والسؤال لماذا الضرب شبه منتشر فى المنطقة العربية، سواء فى المدرسة أو فى البيت أو فى تدريب الصبية لدى بعض أصحاب الأعمال؟، حتى نسمع لغة الضرب بين الأزواج وفى الغالب هو من نصيب المرأة كطرف أضعف، وإن كنّا لا نستبعد أن بعض النساء القويات يضربن رجالهن. أما المقولة الخاطئة تماما فهى لا تعليم دون ضرب، وكذلك التربية، كما أن هناك استخداما خاطئا لبعض المواقع الدينية.
قول الحكيم سليمان «أدب ابنك فيريحك»، وقوله «العصا والتوبيخ يعطيان حكمة ومن يمنع عصاه يمقت ابنه». وهذه تأتى فى مراحل، والهدف هو الالتزام بآداب السلوك لا عن كراهية، ولكن عن محبة بهدف الالتزام بالأدب، والبعد عن المعصية بمعناها الواسع كقول الحكيم «أدب ابنك لأن فيه رجاء».
أما ضمان الحماية وآداب السلوك والتعلم فيحتاج إلى تركيبة علاجية فيها الحب والرعاية والاهتمام والعطاء والتوجيه، لا بالكلام ولكن بالعمل والقدوة الحسنة، فليس من المقبول ولا المعقول أن ننهى أولادنا عن عمل أو سلوك وهم يَرَوْن الآباء يفعلون ذات السلوك، وكما يقول الشاعر «لا تنه عن خلق وتأتى بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم».. التعليم يهدف إلى سمو المشاعر وحسن اختيار اللفظ، والترفع عن الكره والحقد وبذل الجهد فى البناء لا الهدم، فى العطاء قبل الأخذ، كل هذا طريقة التعليم والخلق القويم.