الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

الآذان المُتَرَصِّدة

الأربعاء 19/ديسمبر/2018 - 05:32 م
طباعة
ما زالت «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، قادرة على أن تمد المواطن بزادٍ قيِّم من الكتابات فى شتى فروع العلم والمعرفة، نظير جنيهات قليلة، لا تقف عائقًا أمام الراغب، فى الحصول على ما يوسّع أفقه، ويزيد من مداركه، ويرفع من مستوى وعيه!.
طالعت فى الأيام الأخيرة، كتابًا صدر حديثًا فى سلسلة «مكتبة الأسرة»، عنوانه «الآذان المترصدة: كيف يتجسسون عليك»، لمؤلفه النيوزيلندى الجنسيّة، المحقق فى أنظمة المنظمات الاستخباراتية، «نيكى هاجر»، ما أظن إلا واجب كل مواطن وبالذات، أولئك المهمومون بقضايا ومصالح الوطن، إلا أن ينظر فى محتواه باهتمام وحرص، وأن يظل واعيًا متنبهًا لرسالته، التى يتضمنها الكتاب من السطر الأول إلى السطر الأخير.
فالمؤلف الخبير، الذى دفعه التجول فى برنامج «جوجل إيرث» إلى اكتشاف صفّ من الأطباق اللاقطة العملاقة، فى مكان ناءٍ على بُعد ثلاثين كيلومترًا، غرب مدينة «بئر سبع» فى فلسطين المحتلة، يدلف من خلال بحثه المُدقق الدءوب، ومعارفه وخبراته المتراكمة فى هذا المجال، إلى التعرف على كُنه هذه المنشأة المخفيّة بحرص عن العيون، لكى يكتشف أنها مركز بالغ التقدّم للتجسس على الاتصالات، وواحدة من أهم مواقع الاستخبارات الإسرائيلية وأكثرها تطورًا، اسمها السرى: «Yrakon» أو«العوجا ـ ١»، «تُعد أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية فى الشرق الأوسط»، ومهمتها: «التجسس على دول الشرق الأوسط وأوروبا ودول أبعد منها»!
إن أعلى أنواع الاستخبارات قيمة وسرّية وأكثرها غموضًا هى الاستخبارات الإلكترونية التى يتم جمعها فى مرافق كمحطة العوجا الإسرائيلية، كما يلفت المؤلف نظر القارئ، وهو يعرف أن العرب وقاطنى منطقة الشرق الأوسط، يعلمون الحد الكافى من المعلومات حول مصادر التهديد العسكرى التقليدى: الطائرات والبوارج الحربية والصواريخ والدبابات والقنابل وخلافه، لكن معرفتهم عن العمليات الاستخباراتية التى توجِّه القنابل وتُشكّل الجانب الخفى من السياسة الدولية، أقل بكثير، وهو الدافع من وراء تأليف هذا الكتاب، لمجموعة قررت العمل معًا، بهدف إطلاع الشعوب الناطقة بالعربية على موضوع «استخبارات الإشارات»، وتعنى الاستخبارات التى يتم جمعها عن طريق التجسُّس على اتصالات الراديو والهاتف والإنترنت. وكانت النتيجة هذا الكتاب.
وبصرف النظر عن مكونات هذه المجموعة الخيّرة التى تطوعت لإيصال هذه المعلومات المهمة لنا كعرب، وعن نواياها الحقيقية، فمن المهم أن نستوعب ونتفكر، ونتحرّس وننتبه، خصوصًا وللمؤلف سابق خبرة فى بلده البعيد للغاية عن الشرق الأوسط، «نيوزيلاندا»، المستعمرة البريطانية السابقة، والعضو فى أحد أوثق التحالفات الاستخباراتية التى تجمع كلًا من بريطانيا والولايات المتحدة، والتى استُخدمت كقاعدة للتجسس الإلكترونى على دول منطقتنا، على نحو ما يفصح عنه تقرير سرى، تسرب محتواه بفعل الخطأ، خلال قيامها بالتجسس على جهات مثل: «الاتصالات الدبلوماسية اليابانية»، و«الاتصالات الدبلوماسية الكوريّة الشمالية»، و«القوات المسلحة الجنوب إفريقيّة»، و«اتصالات الأمم المتحدة الدبلوماسيّة»، والأهم بالنسبة لنا: «مواظبة المكتب الأمنى للاتصالات الحكوميّة على جمع الاتصالات الدبلوماسيّة المصرية طوال هذا العام (٢٠٠٦)»!.
والأخطر، كما يذكر الكاتب، فإن الأمر لم يقتصر على نيوزيلندا، بل شاركت أستراليا أيضًا فى التجسس على دول الشرق الأوسط، حيث يوظف جهاز الاستخبارات الأسترالى السرى عملاء يعملون من محطة فى القاهرة على مساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا فى تجنيد جواسيس لهم فى دول الشرق الأوسط. ويقول المؤلف إنه فى فترة حرب أكتوبر ١٩٧٣، قامت محطة التجسس «باين جاب» الأسترالية، بتمرير معلومات الأقمار الصناعية حول أوضاع القوات المسلحة إلى إسرائيل، عن طريق أمريكا، الأمر الذى سَهَّل اختراق الخطوط المصرية فى سيناء بشكل كبير، فيما يُعرف فى مصر بـ«ثغرة الدفرسوار».. (يتبع).